البدايات المتواضعة: متجر نودلز يحلم بالنجومية (1938)
تأسست شركة سامسونج في الأول من مارس عام 1938 على يد رجل الأعمال الكوري لي بيونغ تشول في مدينة تايغو، كمتجر صغير لتجارة النودلز والسلع الغذائية المحلية مع التركيز على التصدير إلى الصين. لم يتجاوز رأس مال المشروع آنذاك 30 ألف وون كوري، أي ما يعادل نحو 27 دولارًا أمريكيًا، ولم يعمل فيه أكثر من 40 موظفًا فقط.
اختيار اسم «سامسونج»، الذي يعني بالكورية «النجوم الثلاثة»، لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل حمل دلالة رمزية تعكس الطموح والقوة والاستمرارية، وهي قيم سترافق الشركة في رحلتها الطويلة.
العقد الأول: تأسيس عقلية التجارة العابرة للحدود (1938 – 1950)
في سنواتها الأولى، ركزت سامسونج على بناء شبكة علاقات تجارية قوية خارج الحدود الكورية، مستفيدة من الطلب المتزايد في السوق الصينية. هذه المرحلة لم تكن مجرد تجارة أغذية، بل شكلت مدرسة عملية في فهم سلاسل الإمداد، وإدارة المخاطر، والتعامل مع الأسواق الدولية، وهي خبرات ستصبح لاحقًا أحد أهم مصادر قوة الشركة.
الخمسينيات: الحرب كفرصة غير متوقعة للنمو
مثّلت الحرب الكورية (1950–1953) تحديًا هائلًا للاقتصاد الوطني، لكنها تحولت لدى سامسونج إلى فرصة لإعادة التموضع. استغلت الشركة الطلب المتزايد على المنتجات الغذائية المصنعة، وفي عام 1954 أسس لي بيونغ تشول شركة «تشيل جيدانغ» لصناعة السكر، في خطوة نقلت سامسونج من مجرد تاجر إلى كيان صناعي حقيقي.
هذا التحول رسخ ثقافة المخاطرة المحسوبة داخل الشركة، وهي الثقافة التي ستقود سامسونج لاحقًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية غيرت مستقبلها بالكامل.
الستينيات: التنويع وبناء الكيان المؤسسي
مع بداية الستينيات، شرعت سامسونج في تنفيذ استراتيجية تنويع واسعة، فدخلت قطاع التأمين بتأسيس سامسونج للتأمين على الحياة عام 1961، ثم توسعت في الخدمات المالية والتجزئة. لكن اللحظة الفارقة جاءت في 13 يناير 1969، مع تأسيس شركة سامسونج إلكترونيكس كمشروع مشترك مع شركة سانيو اليابانية.
بدأت الشركة بإنتاج أجهزة منزلية بسيطة مثل أجهزة التلفزيون الأبيض والأسود والغسالات والثلاجات، في تحول جذري من تجارة الأغذية إلى عالم التكنولوجيا، وهو تحول محفوف بالمخاطر لكنه أثبت لاحقًا أنه القرار الأذكى في تاريخ سامسونج.
السبعينيات: وضع الأسس التكنولوجية للهيمنة
شهدت السبعينيات تسارعًا في الطموحات التكنولوجية لسامسونج، حيث أطلقت أول تلفزيون ملون من إنتاجها عام 1977. وفي العام نفسه، اتخذت قرارًا استراتيجيًا بدخول مجال أشباه الموصلات، وهو القطاع الذي سيصبح لاحقًا العمود الفقري لهيمنة سامسونج التكنولوجية.
الثمانينيات: من مُقلّد إلى مبتكر
في الثمانينيات، بدأت سامسونج تتحرر من صورة الشركة التي تصنع بتراخيص الآخرين. أطلقت أول حاسوب شخصي لها عام 1983، ثم أسست عام 1988 مركزًا متقدمًا للبحث والتطوير في كاليفورنيا، بالقرب من وادي السيليكون، في رسالة واضحة بأن الابتكار أصبح أولوية استراتيجية.
الفلسفة الحاكمة: رؤية لي بيونغ تشول
آمن لي بيونغ تشول بأن رسالة سامسونج تتجاوز تحقيق الأرباح، لتصل إلى «المساهمة في الإنسانية من خلال التكنولوجيا». وقد أدرك مبكرًا أن مستقبل كوريا الجنوبية يكمن في التحول إلى اقتصاد صناعي معرفي، وقرر أن تكون سامسونج في مقدمة هذا التحول.
القرار المصيري: دخول صناعة أشباه الموصلات
يُعد قرار دخول سامسونج مجال أشباه الموصلات في منتصف السبعينيات أحد أكثر القرارات جرأة في تاريخها. ورغم ضخامة الاستثمارات المطلوبة وغياب الخبرة السابقة، راهنت الشركة على أن هذه الصناعة ستكون أساس التكنولوجيا المستقبلية، وهو رهان أثبت الزمن صوابه.
الهيمنة بالأرقام: عندما تتحدث البيانات
بحلول عام 2024، أصبحت سامسونج أكبر مُصنّع للهواتف الذكية في العالم بحصة سوقية بلغت نحو 18.3%، مع أكثر من 1.03 مليار مستخدم لهواتفها عالميًا. كما حافظت على صدارة سوق أجهزة التلفزيون بحصة تتجاوز 30%، وبلغت قيمة علامتها التجارية نحو 100.8 مليار دولار، محتلة المرتبة الخامسة عالميًا.
دروس مستفادة: توصيات لرواد الأعمال من قصة سامسونج
تقدم قصة سامسونج عدة دروس جوهرية لرواد الأعمال، في مقدمتها أن البدايات الصغيرة لا تعيق النجاح الكبير، وأن التنويع الذكي القائم على رؤية استراتيجية يمكن أن يصنع الفارق. كما تؤكد القصة أن الاستثمار في البحث والتطوير وبناء الكفاءات البشرية هو الطريق الأضمن للاستدامة، وأن القرارات الجريئة المدروسة هي ما يميز القادة عن التابعين.
سامسونج.. عندما تتحول الرؤية إلى تاريخ
من متجر نودلز برأس مال لا يتجاوز 27 دولارًا، إلى إمبراطورية تكنولوجية تهيمن على مفاصل الاقتصاد العالمي، تجسد سامسونج جوهر ريادة الأعمال الحقيقية. إنها قصة لا تُروى للإعجاب فقط، بل لتكون دليل عمل لكل من يحلم ببناء مشروع يترك أثرًا يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
البدايات المتواضعة: متجر نودلز يحلم بالنجومية (1938)
تأسست شركة سامسونج في الأول من مارس عام 1938 على يد رجل الأعمال الكوري لي بيونغ تشول في مدينة تايغو، كمتجر صغير لتجارة النودلز والسلع الغذائية المحلية مع التركيز على التصدير إلى الصين. لم يتجاوز رأس مال المشروع آنذاك 30 ألف وون كوري، أي ما يعادل نحو 27 دولارًا أمريكيًا، ولم يعمل فيه أكثر من 40 موظفًا فقط.
اختيار اسم «سامسونج»، الذي يعني بالكورية «النجوم الثلاثة»، لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل حمل دلالة رمزية تعكس الطموح والقوة والاستمرارية، وهي قيم سترافق الشركة في رحلتها الطويلة.
العقد الأول: تأسيس عقلية التجارة العابرة للحدود (1938 – 1950)
في سنواتها الأولى، ركزت سامسونج على بناء شبكة علاقات تجارية قوية خارج الحدود الكورية، مستفيدة من الطلب المتزايد في السوق الصينية. هذه المرحلة لم تكن مجرد تجارة أغذية، بل شكلت مدرسة عملية في فهم سلاسل الإمداد، وإدارة المخاطر، والتعامل مع الأسواق الدولية، وهي خبرات ستصبح لاحقًا أحد أهم مصادر قوة الشركة.
الخمسينيات: الحرب كفرصة غير متوقعة للنمو
مثّلت الحرب الكورية (1950–1953) تحديًا هائلًا للاقتصاد الوطني، لكنها تحولت لدى سامسونج إلى فرصة لإعادة التموضع. استغلت الشركة الطلب المتزايد على المنتجات الغذائية المصنعة، وفي عام 1954 أسس لي بيونغ تشول شركة «تشيل جيدانغ» لصناعة السكر، في خطوة نقلت سامسونج من مجرد تاجر إلى كيان صناعي حقيقي.
هذا التحول رسخ ثقافة المخاطرة المحسوبة داخل الشركة، وهي الثقافة التي ستقود سامسونج لاحقًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية غيرت مستقبلها بالكامل.
الستينيات: التنويع وبناء الكيان المؤسسي
مع بداية الستينيات، شرعت سامسونج في تنفيذ استراتيجية تنويع واسعة، فدخلت قطاع التأمين بتأسيس سامسونج للتأمين على الحياة عام 1961، ثم توسعت في الخدمات المالية والتجزئة. لكن اللحظة الفارقة جاءت في 13 يناير 1969، مع تأسيس شركة سامسونج إلكترونيكس كمشروع مشترك مع شركة سانيو اليابانية.
بدأت الشركة بإنتاج أجهزة منزلية بسيطة مثل أجهزة التلفزيون الأبيض والأسود والغسالات والثلاجات، في تحول جذري من تجارة الأغذية إلى عالم التكنولوجيا، وهو تحول محفوف بالمخاطر لكنه أثبت لاحقًا أنه القرار الأذكى في تاريخ سامسونج.
السبعينيات: وضع الأسس التكنولوجية للهيمنة
شهدت السبعينيات تسارعًا في الطموحات التكنولوجية لسامسونج، حيث أطلقت أول تلفزيون ملون من إنتاجها عام 1977. وفي العام نفسه، اتخذت قرارًا استراتيجيًا بدخول مجال أشباه الموصلات، وهو القطاع الذي سيصبح لاحقًا العمود الفقري لهيمنة سامسونج التكنولوجية.
الثمانينيات: من مُقلّد إلى مبتكر
في الثمانينيات، بدأت سامسونج تتحرر من صورة الشركة التي تصنع بتراخيص الآخرين. أطلقت أول حاسوب شخصي لها عام 1983، ثم أسست عام 1988 مركزًا متقدمًا للبحث والتطوير في كاليفورنيا، بالقرب من وادي السيليكون، في رسالة واضحة بأن الابتكار أصبح أولوية استراتيجية.
الفلسفة الحاكمة: رؤية لي بيونغ تشول
آمن لي بيونغ تشول بأن رسالة سامسونج تتجاوز تحقيق الأرباح، لتصل إلى «المساهمة في الإنسانية من خلال التكنولوجيا». وقد أدرك مبكرًا أن مستقبل كوريا الجنوبية يكمن في التحول إلى اقتصاد صناعي معرفي، وقرر أن تكون سامسونج في مقدمة هذا التحول.
القرار المصيري: دخول صناعة أشباه الموصلات
يُعد قرار دخول سامسونج مجال أشباه الموصلات في منتصف السبعينيات أحد أكثر القرارات جرأة في تاريخها. ورغم ضخامة الاستثمارات المطلوبة وغياب الخبرة السابقة، راهنت الشركة على أن هذه الصناعة ستكون أساس التكنولوجيا المستقبلية، وهو رهان أثبت الزمن صوابه.
الهيمنة بالأرقام: عندما تتحدث البيانات
بحلول عام 2024، أصبحت سامسونج أكبر مُصنّع للهواتف الذكية في العالم بحصة سوقية بلغت نحو 18.3%، مع أكثر من 1.03 مليار مستخدم لهواتفها عالميًا. كما حافظت على صدارة سوق أجهزة التلفزيون بحصة تتجاوز 30%، وبلغت قيمة علامتها التجارية نحو 100.8 مليار دولار، محتلة المرتبة الخامسة عالميًا.
دروس مستفادة: توصيات لرواد الأعمال من قصة سامسونج
تقدم قصة سامسونج عدة دروس جوهرية لرواد الأعمال، في مقدمتها أن البدايات الصغيرة لا تعيق النجاح الكبير، وأن التنويع الذكي القائم على رؤية استراتيجية يمكن أن يصنع الفارق. كما تؤكد القصة أن الاستثمار في البحث والتطوير وبناء الكفاءات البشرية هو الطريق الأضمن للاستدامة، وأن القرارات الجريئة المدروسة هي ما يميز القادة عن التابعين.
سامسونج.. عندما تتحول الرؤية إلى تاريخ
من متجر نودلز برأس مال لا يتجاوز 27 دولارًا، إلى إمبراطورية تكنولوجية تهيمن على مفاصل الاقتصاد العالمي، تجسد سامسونج جوهر ريادة الأعمال الحقيقية. إنها قصة لا تُروى للإعجاب فقط، بل لتكون دليل عمل لكل من يحلم ببناء مشروع يترك أثرًا يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
البدايات المتواضعة: متجر نودلز يحلم بالنجومية (1938)
تأسست شركة سامسونج في الأول من مارس عام 1938 على يد رجل الأعمال الكوري لي بيونغ تشول في مدينة تايغو، كمتجر صغير لتجارة النودلز والسلع الغذائية المحلية مع التركيز على التصدير إلى الصين. لم يتجاوز رأس مال المشروع آنذاك 30 ألف وون كوري، أي ما يعادل نحو 27 دولارًا أمريكيًا، ولم يعمل فيه أكثر من 40 موظفًا فقط.
اختيار اسم «سامسونج»، الذي يعني بالكورية «النجوم الثلاثة»، لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل حمل دلالة رمزية تعكس الطموح والقوة والاستمرارية، وهي قيم سترافق الشركة في رحلتها الطويلة.
العقد الأول: تأسيس عقلية التجارة العابرة للحدود (1938 – 1950)
في سنواتها الأولى، ركزت سامسونج على بناء شبكة علاقات تجارية قوية خارج الحدود الكورية، مستفيدة من الطلب المتزايد في السوق الصينية. هذه المرحلة لم تكن مجرد تجارة أغذية، بل شكلت مدرسة عملية في فهم سلاسل الإمداد، وإدارة المخاطر، والتعامل مع الأسواق الدولية، وهي خبرات ستصبح لاحقًا أحد أهم مصادر قوة الشركة.
الخمسينيات: الحرب كفرصة غير متوقعة للنمو
مثّلت الحرب الكورية (1950–1953) تحديًا هائلًا للاقتصاد الوطني، لكنها تحولت لدى سامسونج إلى فرصة لإعادة التموضع. استغلت الشركة الطلب المتزايد على المنتجات الغذائية المصنعة، وفي عام 1954 أسس لي بيونغ تشول شركة «تشيل جيدانغ» لصناعة السكر، في خطوة نقلت سامسونج من مجرد تاجر إلى كيان صناعي حقيقي.
هذا التحول رسخ ثقافة المخاطرة المحسوبة داخل الشركة، وهي الثقافة التي ستقود سامسونج لاحقًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية غيرت مستقبلها بالكامل.
الستينيات: التنويع وبناء الكيان المؤسسي
مع بداية الستينيات، شرعت سامسونج في تنفيذ استراتيجية تنويع واسعة، فدخلت قطاع التأمين بتأسيس سامسونج للتأمين على الحياة عام 1961، ثم توسعت في الخدمات المالية والتجزئة. لكن اللحظة الفارقة جاءت في 13 يناير 1969، مع تأسيس شركة سامسونج إلكترونيكس كمشروع مشترك مع شركة سانيو اليابانية.
بدأت الشركة بإنتاج أجهزة منزلية بسيطة مثل أجهزة التلفزيون الأبيض والأسود والغسالات والثلاجات، في تحول جذري من تجارة الأغذية إلى عالم التكنولوجيا، وهو تحول محفوف بالمخاطر لكنه أثبت لاحقًا أنه القرار الأذكى في تاريخ سامسونج.
السبعينيات: وضع الأسس التكنولوجية للهيمنة
شهدت السبعينيات تسارعًا في الطموحات التكنولوجية لسامسونج، حيث أطلقت أول تلفزيون ملون من إنتاجها عام 1977. وفي العام نفسه، اتخذت قرارًا استراتيجيًا بدخول مجال أشباه الموصلات، وهو القطاع الذي سيصبح لاحقًا العمود الفقري لهيمنة سامسونج التكنولوجية.
الثمانينيات: من مُقلّد إلى مبتكر
في الثمانينيات، بدأت سامسونج تتحرر من صورة الشركة التي تصنع بتراخيص الآخرين. أطلقت أول حاسوب شخصي لها عام 1983، ثم أسست عام 1988 مركزًا متقدمًا للبحث والتطوير في كاليفورنيا، بالقرب من وادي السيليكون، في رسالة واضحة بأن الابتكار أصبح أولوية استراتيجية.
الفلسفة الحاكمة: رؤية لي بيونغ تشول
آمن لي بيونغ تشول بأن رسالة سامسونج تتجاوز تحقيق الأرباح، لتصل إلى «المساهمة في الإنسانية من خلال التكنولوجيا». وقد أدرك مبكرًا أن مستقبل كوريا الجنوبية يكمن في التحول إلى اقتصاد صناعي معرفي، وقرر أن تكون سامسونج في مقدمة هذا التحول.
القرار المصيري: دخول صناعة أشباه الموصلات
يُعد قرار دخول سامسونج مجال أشباه الموصلات في منتصف السبعينيات أحد أكثر القرارات جرأة في تاريخها. ورغم ضخامة الاستثمارات المطلوبة وغياب الخبرة السابقة، راهنت الشركة على أن هذه الصناعة ستكون أساس التكنولوجيا المستقبلية، وهو رهان أثبت الزمن صوابه.
الهيمنة بالأرقام: عندما تتحدث البيانات
بحلول عام 2024، أصبحت سامسونج أكبر مُصنّع للهواتف الذكية في العالم بحصة سوقية بلغت نحو 18.3%، مع أكثر من 1.03 مليار مستخدم لهواتفها عالميًا. كما حافظت على صدارة سوق أجهزة التلفزيون بحصة تتجاوز 30%، وبلغت قيمة علامتها التجارية نحو 100.8 مليار دولار، محتلة المرتبة الخامسة عالميًا.
دروس مستفادة: توصيات لرواد الأعمال من قصة سامسونج
تقدم قصة سامسونج عدة دروس جوهرية لرواد الأعمال، في مقدمتها أن البدايات الصغيرة لا تعيق النجاح الكبير، وأن التنويع الذكي القائم على رؤية استراتيجية يمكن أن يصنع الفارق. كما تؤكد القصة أن الاستثمار في البحث والتطوير وبناء الكفاءات البشرية هو الطريق الأضمن للاستدامة، وأن القرارات الجريئة المدروسة هي ما يميز القادة عن التابعين.
سامسونج.. عندما تتحول الرؤية إلى تاريخ
من متجر نودلز برأس مال لا يتجاوز 27 دولارًا، إلى إمبراطورية تكنولوجية تهيمن على مفاصل الاقتصاد العالمي، تجسد سامسونج جوهر ريادة الأعمال الحقيقية. إنها قصة لا تُروى للإعجاب فقط، بل لتكون دليل عمل لكل من يحلم ببناء مشروع يترك أثرًا يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.
البدايات المتواضعة: متجر نودلز يحلم بالنجومية (1938)
تأسست شركة سامسونج في الأول من مارس عام 1938 على يد رجل الأعمال الكوري لي بيونغ تشول في مدينة تايغو، كمتجر صغير لتجارة النودلز والسلع الغذائية المحلية مع التركيز على التصدير إلى الصين. لم يتجاوز رأس مال المشروع آنذاك 30 ألف وون كوري، أي ما يعادل نحو 27 دولارًا أمريكيًا، ولم يعمل فيه أكثر من 40 موظفًا فقط.
اختيار اسم «سامسونج»، الذي يعني بالكورية «النجوم الثلاثة»، لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل حمل دلالة رمزية تعكس الطموح والقوة والاستمرارية، وهي قيم سترافق الشركة في رحلتها الطويلة.
العقد الأول: تأسيس عقلية التجارة العابرة للحدود (1938 – 1950)
في سنواتها الأولى، ركزت سامسونج على بناء شبكة علاقات تجارية قوية خارج الحدود الكورية، مستفيدة من الطلب المتزايد في السوق الصينية. هذه المرحلة لم تكن مجرد تجارة أغذية، بل شكلت مدرسة عملية في فهم سلاسل الإمداد، وإدارة المخاطر، والتعامل مع الأسواق الدولية، وهي خبرات ستصبح لاحقًا أحد أهم مصادر قوة الشركة.
الخمسينيات: الحرب كفرصة غير متوقعة للنمو
مثّلت الحرب الكورية (1950–1953) تحديًا هائلًا للاقتصاد الوطني، لكنها تحولت لدى سامسونج إلى فرصة لإعادة التموضع. استغلت الشركة الطلب المتزايد على المنتجات الغذائية المصنعة، وفي عام 1954 أسس لي بيونغ تشول شركة «تشيل جيدانغ» لصناعة السكر، في خطوة نقلت سامسونج من مجرد تاجر إلى كيان صناعي حقيقي.
هذا التحول رسخ ثقافة المخاطرة المحسوبة داخل الشركة، وهي الثقافة التي ستقود سامسونج لاحقًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية غيرت مستقبلها بالكامل.
الستينيات: التنويع وبناء الكيان المؤسسي
مع بداية الستينيات، شرعت سامسونج في تنفيذ استراتيجية تنويع واسعة، فدخلت قطاع التأمين بتأسيس سامسونج للتأمين على الحياة عام 1961، ثم توسعت في الخدمات المالية والتجزئة. لكن اللحظة الفارقة جاءت في 13 يناير 1969، مع تأسيس شركة سامسونج إلكترونيكس كمشروع مشترك مع شركة سانيو اليابانية.
بدأت الشركة بإنتاج أجهزة منزلية بسيطة مثل أجهزة التلفزيون الأبيض والأسود والغسالات والثلاجات، في تحول جذري من تجارة الأغذية إلى عالم التكنولوجيا، وهو تحول محفوف بالمخاطر لكنه أثبت لاحقًا أنه القرار الأذكى في تاريخ سامسونج.
السبعينيات: وضع الأسس التكنولوجية للهيمنة
شهدت السبعينيات تسارعًا في الطموحات التكنولوجية لسامسونج، حيث أطلقت أول تلفزيون ملون من إنتاجها عام 1977. وفي العام نفسه، اتخذت قرارًا استراتيجيًا بدخول مجال أشباه الموصلات، وهو القطاع الذي سيصبح لاحقًا العمود الفقري لهيمنة سامسونج التكنولوجية.
الثمانينيات: من مُقلّد إلى مبتكر
في الثمانينيات، بدأت سامسونج تتحرر من صورة الشركة التي تصنع بتراخيص الآخرين. أطلقت أول حاسوب شخصي لها عام 1983، ثم أسست عام 1988 مركزًا متقدمًا للبحث والتطوير في كاليفورنيا، بالقرب من وادي السيليكون، في رسالة واضحة بأن الابتكار أصبح أولوية استراتيجية.
الفلسفة الحاكمة: رؤية لي بيونغ تشول
آمن لي بيونغ تشول بأن رسالة سامسونج تتجاوز تحقيق الأرباح، لتصل إلى «المساهمة في الإنسانية من خلال التكنولوجيا». وقد أدرك مبكرًا أن مستقبل كوريا الجنوبية يكمن في التحول إلى اقتصاد صناعي معرفي، وقرر أن تكون سامسونج في مقدمة هذا التحول.
القرار المصيري: دخول صناعة أشباه الموصلات
يُعد قرار دخول سامسونج مجال أشباه الموصلات في منتصف السبعينيات أحد أكثر القرارات جرأة في تاريخها. ورغم ضخامة الاستثمارات المطلوبة وغياب الخبرة السابقة، راهنت الشركة على أن هذه الصناعة ستكون أساس التكنولوجيا المستقبلية، وهو رهان أثبت الزمن صوابه.
الهيمنة بالأرقام: عندما تتحدث البيانات
بحلول عام 2024، أصبحت سامسونج أكبر مُصنّع للهواتف الذكية في العالم بحصة سوقية بلغت نحو 18.3%، مع أكثر من 1.03 مليار مستخدم لهواتفها عالميًا. كما حافظت على صدارة سوق أجهزة التلفزيون بحصة تتجاوز 30%، وبلغت قيمة علامتها التجارية نحو 100.8 مليار دولار، محتلة المرتبة الخامسة عالميًا.
دروس مستفادة: توصيات لرواد الأعمال من قصة سامسونج
تقدم قصة سامسونج عدة دروس جوهرية لرواد الأعمال، في مقدمتها أن البدايات الصغيرة لا تعيق النجاح الكبير، وأن التنويع الذكي القائم على رؤية استراتيجية يمكن أن يصنع الفارق. كما تؤكد القصة أن الاستثمار في البحث والتطوير وبناء الكفاءات البشرية هو الطريق الأضمن للاستدامة، وأن القرارات الجريئة المدروسة هي ما يميز القادة عن التابعين.
سامسونج.. عندما تتحول الرؤية إلى تاريخ
من متجر نودلز برأس مال لا يتجاوز 27 دولارًا، إلى إمبراطورية تكنولوجية تهيمن على مفاصل الاقتصاد العالمي، تجسد سامسونج جوهر ريادة الأعمال الحقيقية. إنها قصة لا تُروى للإعجاب فقط، بل لتكون دليل عمل لكل من يحلم ببناء مشروع يترك أثرًا يتجاوز حدود الجغرافيا والزمن.













