أثارت مداخلة رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة طلعت مصطفى القابضة، مع الإعلامي عمرو أديب في برنامج «الحكاية» على شاشة MBC مصر جدلاً واسعًا حول سوق العقارات في مصر، وأوضاع الركود في القطاع وحركة المبيعات.
وقال المهندس هشام طلعت مصطفى إن الأسعار الحالية للوحدات العقارية تعكس التكلفة الفعلية للبناء، مؤكدًا أن شركات التطوير تعمل بهوامش ربح محدودة جدًا، ما يجعل الحديث عن انخفاض الأسعار أمرًا غير مطروح على الإطلاق.
وأضاف أن الأسعار الحالية لن تشهد أي تراجع، في ظل استمرار ارتفاع مدخلات البناء، وعلى رأسها أسعار الحديد والأسمنت والخامات المرتبطة بالبترول، مؤكدًا أن السوق العقاري يسير وفق معادلة تكلفة واضحة. وأوضح أن السوق يشهد أداءً قويًا، مشيرًا إلى أن شهر يناير الجاري سجل مبيعات أفضل من نفس الشهر في السنوات السابقة، سواء على مستوى مجموعته أو باقي الشركات، موضحًا أنه حقق مبيعات تجاوزت مليار جنيه حتى الآن.
هاني توفيق
ومع ذلك، يثير دفاع طلعت مصطفى الحاد حول ثبات الأسعار علامات استفهام لدى خبراء الاقتصاد والمراقبين، إذ بينما يربط المطور ارتفاع الأسعار بزيادة التكلفة، يرى خبراء مثل هاني توفيق أن هذه التصريحات قد تخفي واقع الركود في السوق، سواء في سوق البيع الأولي أو سوق إعادة البيع (Resale).
وأوضح توفيق أن هناك فارقًا جوهريًا بين تبرير ارتفاع الأسعار بزيادة التكلفة أو قوة الطلب، وبين الواقع الفعلي للسوق الذي يعاني ضغوطًا نتيجة زيادة المعروض وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. وأضاف أن تجاهل هذه المتغيرات قد يؤدي إلى تقدير غير دقيق للمشهد، مشددًا على أن السوق يخضع لقوانين العرض والطلب، وليس فقط لتكلفة الإنشاء أو الأداء التاريخي للشركات الكبرى.
ويأتي النقد الموجه لطلعت مصطفى مدعومًا بوزن مجموعته في سوق العقار المحلي، إذ تعد عائلة طلعت مصطفى ثاني أكبر مالك للأراضي بالعاصمة المصرية المسجلة في البورصة بعد الحكومة، بامتلاك نحو 5600 فدان، أي حوالي 14% من أراضي القاهرة.
وبحسب بيانات «ريادي» الصادرة في أغسطس 2022، تعد العائلة المساهم الأكبر في مجموعة طلعت مصطفى القابضة، التي تمتلك وحدها أكثر من خمس أراضي القاهرة المسجلة في البورصة، بنسبة تصل إلى نحو 40%. وهذا التحكم الكبير في المعروض يفسر جزئيًا تمسك المجموعة بأسعار مرتفعة، لكنه يثير تساؤلات حول دور الاحتكار الجزئي في تحديد الأسعار، ما يجعل دفاع المطور عن السوق يبدو حماية لمصالحه أكثر من انعكاس حقيقي للطلب الفعلي.
وفيما يخص إعادة البيع، شدد طلعت مصطفى على وجود فارق جوهري بين الوحدات الجاهزة وغير المسلمة، مؤكدًا أن الوحدات الجاهزة لن تنخفض أسعارها، لأن تكلفة شراء وحدة بديلة أصبحت أعلى حاليًا، وأشار إلى أن الأسعار الحالية، خصوصًا للوحدات المباعة بنظام الكاش، تمثل فرصة لن تتكرر، نظرًا لارتفاع تكلفة أي مشروعات جديدة مستقبلًا.
ورغم ذلك، يرى الخبراء أن هذه التصريحات تتجاهل الأعباء المالية الثقيلة على المشترين نتيجة الاعتماد على أنظمة تقسيط طويلة الأجل، والتي تشوه القيمة الحقيقية للوحدات وتبعد ذوي القدرة المحدودة عن السوق.
نجيب ساويرس
وفي وقت سابق، أكد رجل الأعمال المهندس نجيب ساويرس أن القيمة الحقيقية للوحدات المباعة بنظام التقسيط تختلف كثيرًا عن الأسعار المعلنة، موضحًا أن الوحدة التي تباع بمليون جنيه بالتقسيط لا تتجاوز قيمتها الفعلية نحو 250 ألف جنيه نقدًا، بسبب تحميلها فوائد مالية مرتفعة تمتد لسنوات.
وأشار ساويرس إلى أن المنافسة بين المطورين لم تعد على السعر فقط، بل امتدت إلى طول مدد السداد التي قد تصل أحيانًا إلى 12 عامًا، ما يؤدي إلى تراكم فوائد ضخمة على المشترين، مضيفًا أن احتساب فوائد بنكية تصل إلى 25% سنويًا على مدد طويلة قد يزيد سعر الوحدة بما يتجاوز 150% من قيمتها الأصلية، ما يخلق فجوة ضخمة بين سعر الكاش وسعر التقسيط.
اعتماد السوق على المطورين
وانتقد ساويرس اعتماد السوق على المطورين لتوفير أنظمة التقسيط، موضحًا أن التجارب العالمية تعتمد على التمويل العقاري البنكي طويل الأجل الذي قد يمتد إلى 30 عامًا، مما يتيح للموظف العادي تملك وحدة دون أعباء مالية كبيرة. وأكد أن الحل في تفعيل دور البنوك لتقديم قروض طويلة الأجل مع دعم الدولة للموظفين، متوقعًا أن يؤدي تراجع أسعار الفائدة إلى انخفاض أسعار العقارات، وأن الزيادة الطبيعية يجب أن تتراوح بين 10% و15% سنويًا، وليس الارتفاعات الكبيرة الناتجة عن الفوائد المتراكمة.
ويرى محللون أن تمسك هشام طلعت مصطفى بالدفاع عن الأسعار العالية يعكس صراعًا بين مصالح كبار المطورين وقدرة المواطنين الشرائية، حيث يركز المطور على حماية عائد مشروعاته الضخمة وامتلاكه لنسبة كبيرة من أراضي القاهرة، بينما يشير الواقع الاقتصادي إلى ركود تدريجي في بعض المناطق، خاصة بين المشترين الفعليين الذين يجدون صعوبة في تغطية التكاليف الفعلية للوحدات نقدًا أو على مدد طويلة.
كما يشير الخبراء إلى أن تصريحات طلعت مصطفى حول قوة السوق ومبيعات يناير القياسية، رغم نجاح مشروعات محددة، لا تعكس صورة شاملة للقطاع، حيث تعاني مشروعات أخرى من بطء الطلب أو انخفاض القدرة الشرائية، خاصة في السوق الثانوية وإعادة البيع، حيث تواجه الوحدات صعوبة في الانتقال بين الملاك دون تخفيضات حقيقية.
طرح المشاريع وعرض الأسعار
وفي هذا السياق، يبرز النقد الحاد لطريقة طرح المشاريع وعرض الأسعار، إذ يعتمد المطورون على قدرة المشترين على التحمل المالي، متجاهلين تأثير تمديد فترات السداد والفوائد المتراكمة، ما يخلق فجوة بين القيمة الفعلية والقيمة المعلنة، ويشير إلى أن السوق يعاني من مشكلة شفافية مالية وقدرة شرائية، وليس مجرد ارتفاع تكاليف البناء.
وفي ضوء هذه المؤشرات، يبقى الجدل حول مستقبل السوق العقاري مفتوحًا، بين دفاع المطورين الكبار مثل هشام طلعت مصطفى الذي يربط الأسعار بتكلفة البناء وحجم الأراضي، وبين الواقع الاقتصادي الذي يشير إلى تراجع القدرة الشرائية وركود تدريجي، مع ضرورة تطوير أنظمة التمويل العقاري لتصبح أكثر مرونة وقادرة على دعم المستهلك العادي.
بينما يتمسك هشام طلعت مصطفى بثبات الأسعار واستقرار السوق استنادًا إلى تكاليف البناء والمبيعات، يرى خبراء الاقتصاد ونجيب ساويرس وهاني توفيق أن الركود الحقيقي والقدرة الشرائية المحدودة لا يمكن تجاهلها. وفي ظل هذا التضارب، يبقى السؤال: هل السوق المصري فعلاً مستقر، أم أن دفاع كبار المطورين يخفي أزمة ركود وارتفاع مبالغ فيه في الأسعار قد تؤدي إلى تصحيح محتمل مستقبلي؟











