إنفاق ضخم على الذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة واسعة
وضعت «ميتا» الذكاء الاصطناعي في صدارة استراتيجيتها المستقبلية، وضخت عشرات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات والرقائق والنماذج والباحثين، بالتوازي مع إعادة تنظيم هيكلها الداخلي على أساس توقعات بأن تقود تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الإنتاجية وتشغيل الشركة بعدد أقل من الموظفين.
إلا أن النتائج جاءت أكثر تعقيدًا من التوقعات الأولية، خصوصًا مع عدم تحقيق القفزة المنتظرة في قدرات وكلاء الذكاء الاصطناعي بالسرعة الكافية، وهو ما دفع الشركة إلى إعادة النظر في بعض الافتراضات التي استندت إليها عملية إعادة الهيكلة.
تراجع سرعة تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي
لا تتمثل المشكلة الأساسية في قدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام منفردة مثل كتابة النصوص أو تحليل المعلومات أو البرمجة، وإنما في الانتقال من تنفيذ مهمة محددة إلى تشغيل وكيل ذكاء اصطناعي يستطيع إدارة سلسلة كاملة من المهام بصورة مستقلة وموثوقة.
ويحتاج الوكيل القادر على تنفيذ العمل بصورة فعلية إلى تحديد الخطوات المطلوبة، وتنفيذها بالترتيب، والتعامل مع الأخطاء، وفهم السياق، واتخاذ قرارات جديدة عندما تتغير الظروف.
ورغم أن نماذج الذكاء الاصطناعي قد تحقق نتائج قوية في مهام محددة، فإن الأداء يصبح أكثر تحديًا عندما يتعلق الأمر بعمليات طويلة تتضمن عشرات القرارات المتتابعة أو معلومات ناقصة أو حالات لم يسبق للنظام التعامل معها.
إعادة هيكلة القوى العاملة تحت الاختبار
خلال عام 2026، تحركت «ميتا» نحو تقليص نحو 10% من قوتها العاملة، بما يقارب 8 آلاف موظف، إلى جانب إعادة توزيع نحو 7 آلاف موظف آخرين على فرق مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
استندت هذه الخطوات إلى هدف بناء مؤسسة أكثر رشاقة، وتقليل المستويات الإدارية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية وأداء بعض المهام التي كان ينفذها الموظفون.
لكن إقرار زوكربيرج بأن إعادة الهيكلة لم تحقق النتائج المأمولة، بالتزامن مع تباطؤ تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي، يعيد وضع الأساس التكنولوجي لهذه التحولات تحت المراجعة.
عودة بعض الموظفين إلى الأدوار الإدارية
وفي مؤشر على إعادة ضبط الهيكل التنظيمي، بدأت «ميتا» خلال الأسابيع الأخيرة في إعادة بعض الموظفين إلى أدوار إدارية، بعدما كانت قد دفعت في وقت سابق نحو تقليص الإدارة الوسطى وتحويل بعض المديرين إلى أدوار متخصصة.
ويضم قطاع الذكاء الاصطناعي التطبيقي في الشركة حاليًا نحو 7 آلاف موظف، ما يعكس حجم الموارد البشرية التي أعادت «ميتا» توجيهها لدعم استراتيجية الذكاء الاصطناعي.
مشكلات الموثوقية تؤخر إطلاق وكيل Muse
لم تقتصر التحديات على إعادة هيكلة القوى العاملة، بل امتدت إلى المنتجات نفسها. فقد واجه وكيل Muse، الذي يمثل أحد الرهانات الرئيسية على الذكاء الاصطناعي القادر على تنفيذ المهام، تأخيرًا في الإطلاق بعدما كشفت الاختبارات الداخلية عن مشكلات تتعلق بالموثوقية والسلامة.
وبعد إطلاقه، أصبح الوكيل قادرًا على تنفيذ مجموعة من المهام، من بينها التعامل مع البريد الإلكتروني والتسوق وحجز الرحلات وإدارة التقويم وتنفيذ مهام عبر تطبيقات متعددة.
وتكشف هذه التجربة الفارق بين نموذج ذكاء اصطناعي يقدم إجابة جيدة، وبين وكيل يحصل على صلاحية التصرف نيابة عن المستخدم في العالم الحقيقي.
لماذا يمثل تنفيذ المهام الواقعية تحديًا أكبر؟
كلما زادت الصلاحيات الممنوحة لوكيل الذكاء الاصطناعي، ارتفعت تكلفة الخطأ المحتمل. فالخطأ في إجابة يقدمها روبوت محادثة يمكن للمستخدم تجاهله أو تصحيحه، بينما يمكن أن يتحول الخطأ في إرسال بريد إلكتروني أو إجراء عملية شراء أو حجز رحلة أو التعامل مع بيانات شخصية إلى مشكلة فعلية.
ولهذا، فإن بناء أنظمة قادرة على تنفيذ أعمال معقدة بصورة مستقلة وموثوقة يتطلب مستوى أعلى من الاختبار والسلامة وإدارة المخاطر مقارنة بالأنظمة التي تكتفي بتوليد المحتوى أو الإجابات.
الفجوة بين تقليص الوظائف واستبدال الخبرات
تكشف تجربة «ميتا» عن مفارقة مهمة في تحول الشركات نحو الذكاء الاصطناعي؛ إذ يمكن للشركة اتخاذ قرار بتقليص عدد الموظفين خلال فترة قصيرة، لكن بناء نظام قادر على استيعاب خبراتهم وتنفيذ قراراتهم بدرجة موثوقة قد يحتاج إلى سنوات.
وبذلك، فإن تقليص عدد العاملين لا يعني بالضرورة أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على استيعاب كل ما كان هؤلاء الموظفون يعرفونه أو ينفذونه، خصوصًا في الوظائف التي تعتمد على السياق والخبرة واتخاذ القرارات المعقدة.
رهان الذكاء الاصطناعي لم ينتهِ.. لكن التوقعات تتغير
لا يعني اعتراف «ميتا» بتباطؤ تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي انتهاء رهان الشركة على التكنولوجيا، لكنه يعكس إعادة تقييم للسرعة التي كان من المتوقع أن تصل بها هذه التقنيات إلى مستوى يسمح لها بإحداث تحول واسع في طريقة تشغيل المؤسسات.
فالذكاء الاصطناعي يثبت قدرته على تحسين الإنتاجية وتنفيذ مجموعة متزايدة من المهام، إلا أن الوصول إلى مرحلة يستطيع فيها النظام إدارة أعمال كاملة بصورة مستقلة وموثوقة ما يزال أكثر تعقيدًا من مجرد تطوير نموذج قادر على تقديم إجابات متقدمة.
الدرس الجديد للشركات: الذكاء الاصطناعي لتعزيز الموظفين
تشير تجربة «ميتا» إلى أن السيناريو الأقرب في المدى الحالي قد لا يكون شركة تعمل دون موظفين، وإنما مؤسسة يستخدم فيها العاملون أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراتهم ورفع الإنتاجية، بينما تظل الخبرة البشرية عنصرًا أساسيًا في التعامل مع القرارات المعقدة والحالات غير المتوقعة.
وفي النهاية، فإن الذكاء الاصطناعي يعمل بالفعل ويغير طبيعة العمل، لكن التحدي بالنسبة إلى «ميتا» لم يكن في وجود التكنولوجيا بقدر ما تمثل في السرعة التي احتاجت الشركة إلى وصول هذه التكنولوجيا بها إلى مستوى يبرر حجم الرهان والاستثمارات وإعادة الهيكلة.










