وفي رصد توثيقي، تتبع «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، برئاسة الدكتور وليد فاروق، ما أعلنته الجهات الرسمية المصرية عن هذه المواجهة منذ عام 2023 وحتى منتصف أكتوبر 2026، كاشفًا عن محطات رئيسية في ملاحقة ما يُعرف محليًا باسم «الدهابة»، إلى جانب فجوات في البيانات المتاحة بشأن الحصيلة الإجمالية للحملات الأخيرة.
البداية من المحاكم.. قضية تضم 27 متهمًا في 2023
تعود إحدى المحطات القضائية البارزة إلى فبراير 2023، عندما بدأت محكمة جنايات البحر الأحمر نظر محاكمة 27 متهمًا، بينهم 8 رؤساء شركات تعمل في مجال التعدين والاستكشاف، في القضية رقم 235 لسنة 2021 جنايات الشلاتين.
وارتبطت القضية باتهامات تتعلق بالتنقيب عن الذهب والمعادن داخل محمية وادي علبة الطبيعية دون التراخيص اللازمة، إلى جانب حيازة مواد كيميائية، من بينها السيانيد والزئبق، دون ترخيص. وقدرت النيابة قيمة المخالفات البيئية الواردة في القضية بنحو 6.038 مليون دولار.
وفي سبتمبر 2025، أشارت تقارير صحفية مصرية إلى صدور قرار بإعادة المحاكمة. وتوضح هذه القضية أن المواجهة لم تقتصر على عمليات التنقيب الفردية، بل امتدت أيضًا إلى أنشطة مرتبطة بشركات ومواقع استكشاف، وفقًا للاتهامات التي تناولتها القضية.
2024.. ضبط شبكة لصهر الذهب ومصادرة كميات من الخام
شهد عام 2024 انتقالًا أوضح إلى الضبطيات الأمنية المعلنة. ففي 28 يناير، أعلنت وزارة الداخلية ضبط تشكيل إجرامي مكون من 11 شخصًا في محافظة البحر الأحمر، تخصص في صهر وإعادة معايرة الذهب المستخرج من أنشطة تنقيب غير مشروعة.
وأسفرت العملية عن ضبط 55 كيلوجرامًا من أحجار الكوارتز، و15.346 كيلوجرام من الذهب في صورة سبائك ومشغولات، إلى جانب 282 جرامًا من الذهب الصيني، و76 جرامًا من الفضة، و4 كيلوجرامات من سبائك النحاس، فضلًا عن الأدوات المستخدمة في النشاط.
وقدرت القيمة الإجمالية للمضبوطات بنحو 97 مليون جنيه، وفقًا للبيانات المتداولة عن الواقعة.
وخلال العام نفسه، ظهرت وقائع أخرى في أسوان مرتبطة بتجميع الذهب الخام وصهره، كما أعلنت وزارة الداخلية في 10 ديسمبر ضبط سائقين في مرسى علم بحوزتهما نحو 17 طنًا من أحجار الكوارتز التي تحتوي على خام الذهب.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين وزن الأحجار الحاملة للخام ووزن الذهب المستخلص منها؛ فالأرقام التي تعلنها الجهات الرسمية عن الأحجار لا تعني بالضرورة أن الكمية نفسها من الذهب الخالص قد جرى ضبطها.
2025.. ملاحقة عوائد النشاط وإزالة المطاحن غير المرخصة
في 24 مايو 2025، أعلنت وزارة الداخلية ضبط 4 أشخاص في أسوان للاشتباه في ارتباطهم بتداول متحصلات أنشطة تنقيب غير مشروع عن الذهب. وشملت المضبوطات أحجار كوارتز وذهبًا خامًا وأدوات تستخدم في عمليات الصهر، وقدرت قيمتها بأكثر من 77 مليون جنيه.
ولم تقتصر المواجهة على الأشخاص والمواد المضبوطة، بل امتدت إلى البنية التشغيلية التي تسمح بمعالجة الأحجار واستخراج الخام. ففي 31 مايو، أُزيلت 35 طاحونة وكسارة غير مرخصة في 10 مواقع بقرية أرمنة في أسوان.
وفي 23 نوفمبر من العام نفسه، شهدت منطقة حجر خزام وعقبة الصحراوية بمركز قوص في محافظة قنا إزالة 20 طاحونة غير قانونية مقامة على أراضي الدولة.
وتعكس هذه الوقائع مسارًا يستهدف مواقع المعالجة والمعدات المستخدمة في النشاط، إلى جانب ملاحقة حائزي الخام والذهب والمتعاملين فيه.
منظومة التهريب.. رقم الـ14 مليار جنيه لا يخص الذهب وحده
في 16 ديسمبر 2025، أعلن قائد قوات حرس الحدود تنفيذ 1500 واقعة ضبط في مجال التهريب، وضبط 1600 متهم، ومصادرة بضائع ومواد محظورة بلغت قيمتها نحو 14 مليار جنيه خلال 5 أشهر.
لكن هذا الرقم يتعلق بوقائع التهريب بمختلف أنواعها وعلى الاتجاهات الاستراتيجية كافة، ولا يجوز اعتباره حصيلة خاصة بالتنقيب غير المشروع عن الذهب أو تهريبه.
مايو 2026.. مداهمة تشكيل مسلح في قنا
في 11 مايو 2026، أعلنت وزارة الداخلية تنفيذ عملية أمنية في مركز قوص بمحافظة قنا استهدفت تشكيلًا إجراميًا مكونًا من 25 شخصًا، بينهم 8 أجانب، للاشتباه في تورطهم في تشغيل مطاحن لمعالجة أحجار الكوارتز المرتبطة بالتنقيب غير المشروع عن الذهب.
ووفقًا للبيانات المنشورة عن العملية، شهدت المداهمة تبادلًا لإطلاق النار أسفر عن مقتل أحد العناصر، وضبط باقي المتهمين. كما شملت المضبوطات أسلحة وذخائر، بينها قاذف صاروخي ومدفع متعدد الطلقات و10 بنادق آلية، إلى جانب مخدر الشابو ومعدات تعدين.
وضُبطت خلال العملية 13 طاحونة، وحفار، و7 شاحنات، و7 دراجات نارية، وقدرت القيمة الإجمالية للمضبوطات بنحو 50 مليون جنيه.
وتبرز هذه الواقعة تداخل أنشطة التنقيب غير المشروع، في بعض الحالات التي أعلنتها الجهات الأمنية، مع أنشطة إجرامية أخرى، وهو ما يجعل التعامل معها يتجاوز مجرد ضبط الخام أو المعدات.
22 يونيو 2026.. حملة موسعة في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية
مثّل 22 يونيو 2026 محطة مهمة في مسار المواجهة، عندما أعلن المتحدث العسكري تنفيذ حملة موسعة بالتعاون مع الشرطة المدنية ضد بؤر إجرامية في نطاق المنطقة الجنوبية العسكرية، قالت القوات إنها ترتبط بأنشطة غير مشروعة تشمل التنقيب عن الذهب والاتجار بالمخدرات والأسلحة والبشر.
وأسفرت الحملة، وفق البيان الرسمي، عن ضبط 223 شخصًا، بينهم 87 مصريًا و136 من جنسيات أجنبية، إلى جانب مركبات وأجهزة اتصال وأسلحة وذخائر ومبالغ مالية ومعدات تستخدم في أعمال التنقيب.
وأشار البيان كذلك إلى تسليم بعض الأشخاص الذين تسللوا إلى البلاد بصورة غير قانونية أنفسهم إلى النقاط الأمنية، وترحيلهم إلى بلدانهم، مع إحالة المتهمين والمضبوطات إلى الجهات القضائية المختصة.
وتكشف الأرقام المعلنة عن اتساع نطاق الحملة من حيث عدد المقبوض عليهم وتنوع المعدات المضبوطة، لكنها لا تقدم وحدها رقمًا نهائيًا لقيمة الذهب المستخرج أو الكميات التي جرى الحصول عليها من مواقع التنقيب.
86 طنًا من الأحجار المختلطة بالخام.. ماذا يعني الرقم؟
في 23 يونيو 2026، أعلن المتحدث العسكري نتائج لأنشطة قوات حرس الحدود خلال الفترة السابقة وعلى الاتجاهات الاستراتيجية المختلفة، تضمنت ضبط 58 واقعة تنقيب غير مشروع عن الذهب، و20 جهاز كشف عن المعادن، و200 ماكينة هيلتي، و118 مولدًا كهربائيًا، ونحو 86 طنًا من الأحجار المختلطة بخام الذهب.
ويحتاج هذا الرقم إلى قراءة دقيقة؛ فالـ86 طنًا تمثل أحجارًا مختلطة بخام الذهب، وليست 86 طنًا من الذهب الخالص. كما أن البيان تناول أنشطة حرس الحدود على اتجاهات استراتيجية متعددة، ولم يثبت أن كل هذه المضبوطات كانت حصيلة الحملة الموسعة التي أُعلن عنها في 22 يونيو.
وبناءً على ذلك، لا يصح جمع هذه الأرقام مع نتائج الحملة أو نسبتها إليها بالكامل من دون مستند رسمي يوضح العلاقة بين الوقائع والمضبوطات.
يوليو 2026.. أحكام قضائية وإزالة مواقع جديدة
شهد يوليو 2026 تطورات قضائية وميدانية أخرى. فقد تداولت تقارير صحفية أنباء عن صدور أحكام بالحبس لمدة عام بحق 450 شخصًا على خلفية وقائع مرتبطة بالتنقيب غير المشروع عن الذهب أو الوجود في مناطق محظورة.
ويستلزم نشر هذا الرقم بصيغة نهائية مراجعة الحكم القضائي الأصلي للتأكد من عدد المحكوم عليهم، والتهم المحددة، وما إذا كانت الأحكام نهائية أو قابلة للطعن.

وفي 12 يوليو، أُعلن عن إزالة 20 طاحونة وأحواض مرتبطة بمعالجة الخام في قرية خزام بمركز قوص في قنا، ضمن الموجة 29 من حملات الإزالة. وجاءت العملية بعد إزالة مواقع مماثلة في المنطقة خلال نوفمبر 2025، بما يشير إلى استمرار استهداف البنية المستخدمة في معالجة الأحجار.
أغسطس وسبتمبر.. المرحلة الثانية وتكثيف التمشيط
في 2 أغسطس 2026، أعلنت القوات المسلحة بدء المرحلة الثانية من الحملة المكبرة لمجابهة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية، مع تكثيف عمليات التمشيط والمداهمة في المناطق التي ثبت استخدامها في تلك الأنشطة، بالتنسيق مع أجهزة الدولة المعنية.
وخلال سبتمبر، وردت تصريحات عن استمرار تحركات قوات حرس الحدود والدوريات بالتعاون مع القوات الجوية، لجمع المعلومات عن مواقع التنقيب وضبط المخالفين، وسط إشارات إلى استخدام بعض العناصر أسلحة خفيفة.
ومع ذلك، لم تتضمن البيانات المشار إليها حصيلة تفصيلية مستقلة للمرحلة الثانية، سواء من حيث عدد المواقع التي جرى تطهيرها أو كميات الخام والذهب المضبوطة أو القيمة الإجمالية للمعدات والمضبوطات.
أكتوبر 2026.. بدء المرحلة الثالثة من الحملة
في 12 أكتوبر 2026، أعلن المتحدث العسكري استمرار عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية في تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبرة لمواجهة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية.
وأوضح البيان أن المرحلة الجديدة جاءت بعد إلقاء منشورات تحذيرية على العناصر المخالفة، في إطار ما وصفه بفرض سيادة الدولة داخل حدودها وحماية مواردها وثرواتها القومية.
وتزامن البيان مع تأكيد القوات المسلحة عمق الروابط بين الشعبين المصري والسوداني، والدعوة إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية وعدم الانسياق وراء الشائعات.
وحتى تاريخ البيان، لم تتضمن المعلومات المعلنة حصيلة إجمالية شاملة للحملة منذ انطلاقها، أو تفصيلًا مستقلًا لنتائج المرحلة الثالثة من حيث عدد المقبوض عليهم، وكميات الخام والذهب المضبوطة، والقيمة الإجمالية للمعدات والمواقع المستهدفة.
ماذا تكشف الأرقام؟ وما الذي لا نعرفه حتى الآن؟
تكشف الوقائع المعلنة منذ 2023 عن عدة مسارات متوازية لمواجهة التنقيب غير المشروع عن الذهب في مصر:
- ملاحقة المتهمين أمام القضاء في قضايا مرتبطة بالتنقيب داخل مناطق محمية أو دون تراخيص.
- ضبط الذهب الخام والأحجار الحاملة للخام والمشغولات والمواد المستخدمة في الصهر وإعادة المعايرة.
- إزالة المطاحن والكسارات والأحواض والمعدات التي تستخدم في معالجة الأحجار واستخراج الخام.
- تنفيذ حملات أمنية موسعة تستهدف بؤرًا إجرامية ومواقع تنقيب في الصحراء الشرقية وجنوب البلاد.
لكن الصورة الرقمية لا تزال غير مكتملة؛ إذ لا تتوافر في البيانات المشار إليها حصيلة رسمية موحدة لجميع مراحل الحملة الموسعة، كما لا توجد أرقام تفصيلية مستقلة توضح كمية الذهب الخالص التي جرى ضبطها خلال هذه الحملة تحديدًا.
كذلك، لا يمكن التعامل مع أوزان الأحجار المختلطة بالخام على أنها أوزان للذهب المستخلص، أو اعتبار إجمالي قيمة المضبوطات في قضايا التهريب حصيلة خاصة بالذهب، أو إسناد كل ضبطيات حرس الحدود إلى الحملة الموسعة من دون تأكيد رسمي.
وتظل هذه الفجوات مهمة لفهم الأثر الاقتصادي للمواجهة، وتقييم حجم النشاط غير المرخص، والتمييز بين عدد الضبطيات وحجم الخام المضبوط والقيمة الفعلية للذهب المستخرج.
ما العقوبات القانونية للتنقيب غير المرخص عن الذهب؟
ينظم قانون الثروة المعدنية رقم 198 لسنة 2014، المعدل بالقانون رقم 145 لسنة 2019، أنشطة البحث والاستغلال المعدني في مصر، ويضع إطارًا قانونيًا لممارسة هذه الأنشطة وفق التراخيص والاشتراطات المحددة.
وتتضمن المادة 42 عقوبات مرتبطة بممارسة أعمال البحث أو الاستغلال دون ترخيص، إلى جانب أحكام تتعلق بمصادرة الخام والأدوات والمعدات المستخدمة، واسترداد قيمة المعادن وفقًا لما ينص عليه القانون.
ويجب مراجعة النص القانوني المحدث قبل نشر الحدود الرقمية للعقوبات أو وصفها تفصيلًا، لضمان مطابقة الصياغة المنشورة للنص النافذ، بما في ذلك أحكام العود والمصادرة.
الخلاصة.. أربع سنوات من الضبطيات والحملات في انتظار حصيلة موحدة
من قضية ضمت 27 متهمًا في 2023، إلى ضبط شبكة لصهر الذهب قدرت مضبوطاتُها بنحو 97 مليون جنيه في 2024، وإزالة عشرات المطاحن والكسارات في 2025، وصولًا إلى الحملات الموسعة في 2026، توثق الوقائع المعلنة تصاعدًا في نطاق المواجهة مع أنشطة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب.
غير أن تقييم النتيجة النهائية يتطلب أكثر من جمع أرقام متفرقة؛ فهو يحتاج إلى بيان رسمي موحد يوضح عدد المواقع التي جرى استهدافها، وأعداد المتهمين، والكميات الفعلية من الذهب والمواد الحاملة للخام، وقيمة المضبوطات، وما انتهت إليه القضايا أمام القضاء.
وهذا هو الفارق بين توثيق الحملات الأمنية وقياس أثرها الاقتصادي: الأول يعتمد على الوقائع المعلنة، أما الثاني فيحتاج إلى بيانات قابلة للمقارنة والتحقق، توضح ما الذي تغير على الأرض بعد سنوات من المواجهة.













