في سوقٍ لا يهدأ إيقاعه، وبين سباق محموم على التوسع وتطوير المشروعات العقارية، تكشف القروض عن وجه آخر للحركة داخل كبرى شركات التطوير العقاري ؛ وجهٌ يعكس رهانات النمو، وضغوط التمويل، ومحاولات اقتناص الفرص في بيئة اقتصادية لا تزال تكلفة الأموال فيها مرتفعة.
وفي مسح أجراه موقع «ريادي» استنادًا إلى القوائم المالية المعلنة لعدد من أبرز شركات التطوير العقاري المقيدة، برزت شركة «بالم هيلز» باعتبارها صاحبة أكبر زيادة مطلقة في القروض خلال 2025، بينما شهدت شركات أخرى طفرات حادة في نسب النمو، تعكس تحولات لافتة في استراتيجيات التمويل والاعتماد على الاقتراض.
بالم هيلز تقود الزيادة المطلقة في القروض.. وطفرة لافتة لدى مدينة مصر
أظهر المسح أن شركة «بالم هيلز» رفعت قيمة قروضها إلى 11.793 مليار جنيه بنهاية 2025، مقابل 7.218 مليار جنيه بنهاية 2024، بزيادة بلغت 4.575 مليار جنيه، ونمو نسبته 63.38%.
وتكشف هذه الأرقام عن اتساع واضح في اعتماد الشركة على التمويل البنكي خلال العام، بالتزامن مع استمرار القطاع العقاري في ضخ استثمارات ضخمة داخل مشروعات متعددة تتطلب سيولة طويلة الأجل وقدرات تمويلية مرنة.
ورغم أن «بالم هيلز» سجلت أكبر زيادة بالقيمة المطلقة، فإن شركة «عامر جروب (إيه كابيتال)» جاءت صاحبة أعلى معدل نمو نسبي في القروض، بعدما قفزت مديونياتها إلى 353 مليون جنيه بنهاية 2025، مقارنة بـ27 مليون جنيه فقط في 2024، بزيادة بلغت 326 مليون جنيه، ونسبة نمو ضخمة تجاوزت 1207%.
وتعكس هذه القفزة التحول الكبير في هيكل التمويل لدى الشركة، وإن كانت القيمة الإجمالية للقروض لا تزال محدودة مقارنة بكبار المطورين.
أما شركة «مدينة مصر للإسكان والتعمير»، فسجلت واحدة من أبرز التحركات التمويلية في السوق، بعدما ارتفعت قروضها إلى 3.023 مليار جنيه مقابل 717 مليون جنيه في العام السابق، بزيادة بلغت 2.306 مليار جنيه، ونمو نسبته 321.6%،وتشير هذه الزيادة إلى توسع واضح في استخدام أدوات التمويل لدعم خطط الشركة التشغيلية والتوسعية، خاصة مع تسارع وتيرة تطوير المشروعات العقارية خلال الفترة الأخيرة.
طلعت مصطفى وأوراسكوم.. قروض بالمليارات بوتيرة أكثر هدوءًا
وفي المقابل، أظهر المسح أن مجموعة طلعت مصطفى القابضة واصلت الحفاظ على واحدة من أكبر المحافظ التمويلية في القطاع، إذ بلغت قيمة القروض 10.528 مليار جنيه بنهاية 2025، مقابل 7.719 مليار جنيه في 2024، بزيادة قدرها 2.809 مليار جنيه.
ورغم ضخامة الزيادة بالقيمة المطلقة، فإن معدل النمو المسجل بلغ نحو 26.68% فقط، وهو ما يعكس اتساع قاعدة التمويل القائمة بالفعل لدى المجموعة مقارنة بشركات أخرى بدأت من مستويات أقل.
وسارت شركة أوراسكوم للتنمية مصر على النهج ذاته، بعدما ارتفعت قروضها إلى 10.386 مليار جنيه مقابل 8.077 مليار جنيه بنهاية 2024، بزيادة بلغت 2.309 مليار جنيه، ونمو نسبته 28.58%.
وتشير هذه التحركات إلى استمرار اعتماد الشركات الكبرى على التمويل المصرفي كأداة رئيسية لدعم التوسعات والاستثمارات، خاصة في المشروعات السياحية والعمرانية متوسطة وطويلة الأجل.
أما شركة سوديك، فقد سجلت نموًا ملحوظًا أيضًا، بعدما ارتفعت القروض إلى 966 مليون جنيه بنهاية 2025، مقابل 461 مليون جنيه في 2024، بزيادة بلغت 505 ملايين جنيه، ونمو نسبته 109.54%.
وفي الاتجاه المعاكس، جاءت شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير باعتبارها الشركة الوحيدة ضمن العينة التي خفضت قروضها خلال الفترة محل الرصد، إذ تراجعت إلى 327 مليون جنيه بنهاية 2025، مقارنة بـ610 ملايين جنيه في 2024، بانخفاض بلغ 283 مليون جنيه.
ويعكس هذا التراجع اتجاهًا أكثر تحفظًا في إدارة الالتزامات التمويلية، أو اعتمادًا أكبر على مصادر سيولة بديلة بعيدًا عن الاقتراض التقليدي.
القروض داخل هيكل الالتزامات.. قراءة أعمق في مراكز المخاطر
ولا تتوقف أهمية القروض عند قيمتها المطلقة فقط، بل تمتد إلى وزنها النسبي داخل هيكل الالتزامات لكل شركة، باعتبارها مؤشرًا مهمًا على مستوى الاعتماد على التمويل الخارجي، ومدى حساسية الشركات لتحركات أسعار الفائدة وتكاليف الاقتراض.
ويكشف الجزء الثاني من مسح «ريادي» أن بعض الشركات تعتمد بصورة أكبر على القروض داخل هيكل التزاماتها، بينما تحتفظ شركات أخرى بهوامش تمويلية أكثر توازنًا.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية متزايدة في ظل استمرار ارتفاع تكلفة التمويل بالسوق المصرية، حيث أصبحت إدارة الديون عنصرًا حاسمًا في الحفاظ على الربحية والتدفقات النقدية، خاصة لدى الشركات كثيفة الاستثمار.
كما تعكس الفروقات بين الشركات اختلاف النماذج التشغيلية واستراتيجيات التمويل؛ فبعض المطورين يفضلون التوسع المدعوم بالاقتراض لتسريع وتيرة النمو، بينما تتجه شركات أخرى إلى تقليل الاعتماد على الديون للحفاظ على مرونة مالية أعلى.
وفي الوقت ذاته، لا يُنظر إلى ارتفاع القروض دائمًا باعتباره مؤشرًا سلبيًا، إذ يرتبط تقييمه بقدرة الشركات على توظيف التمويل في مشروعات مدرة للتدفقات النقدية والعوائد المستقبلية، إضافة إلى كفاءة إدارة آجال الاستحقاق وتكلفة التمويل.
سباق التوسع يرفع شهية الاقتراض
وتعكس الأرقام في مجملها استمرار شهية شركات التطوير العقاري للحصول على التمويل، رغم بيئة نقدية تتسم بارتفاع أسعار الفائدة وتزايد تكلفة الاقتراض، وهو ما يكشف عن رهان مستمر على قوة الطلب طويل الأجل في السوق العقارية المصرية.
كما توضح البيانات أن كبار المطورين باتوا يتحركون وفق معادلة دقيقة تجمع بين التوسع السريع والحفاظ على التوازن المالي، في وقت أصبحت فيه إدارة الالتزامات والديون أحد أهم مؤشرات القوة داخل القطاع.
وفي قلب هذه التحولات، برز اسم «بالم هيلز» باعتبارها اللاعب الأكثر حضورًا في الزيادة المطلقة للقروض خلال 2025، في إشارة تعكس حجم النشاط التمويلي الذي تشهده الشركة، وطموحاتها التوسعية داخل سوق لا يزال مفتوحًا على مزيد من المنافسة وإعادة تشكيل موازين القوى.











