لكن الحفاظ على هذه الصدارة يطرح سؤالًا اقتصاديًا أكثر أهمية: كيف يمكن تحويل جاذبية السوق المصرية إلى تدفقات استثمارية مستدامة تدعم الإنتاج والتصدير، وتوفر فرص العمل، وتزيد مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي؟
هذا السؤال يأتي في وقت تتحرك فيه وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية لتنفيذ حزمة من الإصلاحات المؤسسية والرقمية، بالتوازي مع إعداد استراتيجية جديدة لجذب وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر بالتعاون مع البنك الدولي، تستهدف تحديد القطاعات الأكثر جاهزية وجاذبية للاستثمار، وتوجيه الجهود الترويجية نحو الفرص الواعدة.
كم بلغت استثمارات مصر الأجنبية المباشرة في 2025؟
سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 15.5 مليار دولار خلال عام 2025، لتحتفظ البلاد بالمركز الأول أفريقيًا للعام الرابع على التوالي، وفقًا لبيانات تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن «أونكتاد».
وجاءت غينيا في المركز الثاني أفريقيًا بتدفقات بلغت 7.8 مليار دولار، تلتها موزمبيق بنحو 5.7 مليار دولار، ثم نيجيريا بنحو 4 مليارات دولار، وإثيوبيا بنحو 3.8 مليار دولار، بحسب البيانات المنشورة عن التقرير.
وتعكس هذه الأرقام استمرار قدرة السوق المصرية على جذب استثمارات أجنبية كبيرة، لكنها لا تعني بالضرورة أن جميع القطاعات الاقتصادية تحقق المستوى نفسه من الجاذبية، أو أن التدفقات المسجلة ستتكرر بالقيمة ذاتها في السنوات المقبلة.
صفقة رأس الحكمة.. كيف أعادت رسم خريطة الاستثمار الأجنبي في مصر؟
لفهم تطور الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر، لا بد من التوقف عند عام 2024، الذي شهد ارتفاعًا استثنائيًا في التدفقات الاستثمارية بدعم من صفقة رأس الحكمة.
ووفقًا لتقرير الاستثمار العالمي 2025 الصادر عن «أونكتاد»، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 46.6 مليار دولار في 2024، لتصبح مصر أكبر مستقبِل للاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا خلال ذلك العام، كما صعدت إلى المركز التاسع عالميًا.
وساهمت صفقة رأس الحكمة بصورة رئيسية في هذه القفزة، التي انعكست كذلك على إجمالي التدفقات الاستثمارية إلى القارة الأفريقية، والتي ارتفعت إلى نحو 97 مليار دولار خلال 2024، بزيادة 75% على أساس سنوي.
لكن قراءة هذه الأرقام تتطلب التمييز بين التدفقات الاستثنائية الناتجة عن الصفقات الكبرى، وبين الاستثمارات التي تتكرر من خلال تأسيس المشروعات الجديدة وتوسيع المصانع والشركات القائمة.
فوفقًا لبيانات بوابة «استثمر في مصر»، بلغ صافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 12.2 مليار دولار خلال العام المالي 2024/2025، مقارنة بنحو 11.1 مليار دولار خلال العام المالي السابق، مع استبعاد قيمة صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار من المقارنة.
ويعني ذلك أن تقييم أداء الاستثمار الأجنبي لا يتوقف عند إجمالي التدفقات المسجلة في سنة استثنائية، بل يمتد إلى قدرة الاقتصاد على استقطاب استثمارات جديدة بصورة متواصلة، وزيادة الاستثمارات القائمة، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية.
كيف تخطط مصر لزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر؟
تراهن وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية على تطوير بيئة الأعمال وتيسير الإجراءات الحكومية، إلى جانب توجيه الترويج الاستثماري نحو القطاعات التي تتمتع بفرص نمو واضحة وقدرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية.
وخلال مشاركته في جلسة «البرنامج الوطني للتحول الاقتصادي» ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، أكد الدكتور محمد فريد صالح، وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، أن المرحلة المقبلة ترتكز على تيسير ممارسة الأعمال، وتمكين القطاع الخاص، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وأشار الوزير إلى العمل على إطلاق استراتيجية لجذب وتحفيز الاستثمار الأجنبي المباشر بالتعاون مع البنك الدولي، تستهدف تحديد القطاعات ذات الجاذبية والجاهزية الاستثمارية، وترتيب أولويات الترويج لها محليًا وعالميًا، بالتوازي مع معالجة التحديات التي تعوق نمو قطاعات أخرى.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية من ارتباط نجاح الترويج الاستثماري بمدى جاهزية القطاعات المستهدفة، وتوافر المعلومات عن الفرص الاستثمارية، وسرعة الإجراءات، وقدرة الشركات على بدء أنشطتها والتوسع في الإنتاج والتصدير.
منصة تربط 90 جهة حكومية لتسهيل إجراءات المستثمرين
تتضمن خطط الوزارة إطلاق منصة الكيانات الاقتصادية لإعادة هندسة إجراءات التراخيص والموافقات الحكومية، من خلال ربط 90 جهة حكومية وتغطية 468 نشاطًا اقتصاديًا.
وتهدف المنصة إلى توفير رؤية واضحة للمستثمر بشأن الإجراءات المطلوبة والمدد الزمنية المتوقعة للحصول على الموافقات، مع الحد من تعدد الجهات والتعاملات الورقية، بما يساعد على تقليص الوقت اللازم لبدء الأنشطة الاستثمارية.
كما تعمل الوزارة على تطوير منظومة رعاية المستثمرين والمساعد الذكي متعدد اللغات، إلى جانب الاقتراب من إطلاق منصة زيادات رؤوس الأموال، التي تستهدف ربط الجهات المعنية وتيسير الإجراءات المرتبطة بزيادة رؤوس أموال الشركات.
وتمثل هذه الأدوات جزءًا من توجه أوسع لرقمنة الخدمات الحكومية، لكن قياس أثرها الفعلي على الاستثمار يتطلب متابعة نتائج التنفيذ، ومدى انخفاض زمن الحصول على التراخيص، وتحسن تجربة المستثمرين، وزيادة المشروعات التي تنتقل من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ.
9 مناطق استثمارية جديدة.. هل تتوسع خريطة الاستثمار خارج المراكز التقليدية؟
تستهدف وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية تدشين 9 مناطق استثمارية جديدة في عدد من محافظات الجمهورية، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأقل دخلًا والأكثر احتياجًا إلى فرص العمل.
وبحسب ما أعلنه الوزير، تستهدف هذه الخطوة توسيع قاعدة النشاط الإنتاجي، وتوطين التنمية الاقتصادية، وتوفير فرص عمل لأبناء المحافظات، فضلًا عن تيسير حصول المستثمرين على الموافقات اللازمة لممارسة الأنشطة الاقتصادية.
وتتجاوز أهمية التوسع في المناطق الاستثمارية مجرد زيادة عدد المواقع المتاحة لإقامة المشروعات؛ إذ ترتبط جدواه بقدرة هذه المناطق على جذب استثمارات فعلية، وتوفير بنية أساسية مناسبة، وربط المشروعات بسلاسل الإمداد والأسواق المحلية والخارجية.
هل يقود الاستثمار الأجنبي إلى زيادة الصادرات المصرية؟
لا تتوقف أهداف استراتيجية جذب الاستثمار الأجنبي المباشر عند زيادة التدفقات المالية، بل تمتد إلى توجيه الاستثمارات نحو الأنشطة الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الصادرات.
وفي هذا السياق، تعمل الوزارة على تطوير خدمات التجارة الخارجية والترويج للمعارض والمؤتمرات وبرامج تنمية الصادرات، إلى جانب مبادرة «مصر تنطلق بالتصدير»، التي تستهدف توسيع قاعدة الشركات المصرية المشاركة في الأسواق العالمية وتعريفها بالخدمات المتاحة لدعم التصدير.
كما تتجه الوزارة إلى تعزيز صادرات الخدمات، بما يشمل التكنولوجيا والسياحة العلاجية وغيرها من الأنشطة القادرة على تحقيق قيمة مضافة وزيادة موارد النقد الأجنبي.
ويعتمد الأثر الاقتصادي للاستثمارات الأجنبية على طبيعة القطاعات التي تستقبلها، ومدى مساهمتها في زيادة الطاقة الإنتاجية، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، ورفع نسبة المكون المحلي، وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الخارجية.
ما التحديات التي تواجه استدامة صدارة مصر للاستثمار الأجنبي؟
رغم احتفاظ مصر بالمركز الأول أفريقيًا في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، فإن استدامة هذه المكانة تتطلب استمرار الإصلاحات التي تخفض تكلفة ممارسة الأعمال، وتزيد وضوح الإجراءات، وتعزز قدرة القطاع الخاص على التوسع.
ويظل التحدي الرئيسي هو تحويل التدفقات الاستثمارية إلى مشروعات منتجة قادرة على الاستمرار والتوسع، بدلًا من الاعتماد على الصفقات الكبرى التي قد ترفع إجمالي التدفقات خلال عام بعينه ثم تتراجع آثارها الحسابية في السنوات التالية.
وتشمل الأولويات كذلك تحسين كفاءة الخدمات الحكومية، وتيسير إجراءات تأسيس الشركات وزيادة رؤوس أموالها، وتطوير الأطر التشريعية، وتعزيز الترويج للفرص الاستثمارية في القطاعات القادرة على زيادة الإنتاج والصادرات.
كما أن قياس النجاح يتطلب متابعة مؤشرات تتجاوز قيمة التدفقات وحدها، مثل عدد المشروعات الجديدة، وحجم الاستثمارات التوسعية، والوظائف التي توفرها المشروعات، ومساهمتها في الصادرات، ومدى انتشارها الجغرافي والقطاعي.
الخلاصة: من صدارة أفريقيا إلى استثمارات أكثر استدامة
تؤكد بيانات «أونكتاد» احتفاظ مصر بصدارة الدول الأفريقية في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر خلال 2025، بتدفقات بلغت نحو 15.5 مليار دولار، بعد عام استثنائي في 2024 شهد تدفقات بلغت نحو 46.6 مليار دولار بدعم من صفقة رأس الحكمة.
لكن الرهان الاقتصادي الأهم لا يتمثل في الحفاظ على ترتيب متقدم فقط، بل في تحويل جاذبية السوق المصرية إلى استثمارات منتجة ومتكررة، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتوسيع الصادرات، وتوفير فرص عمل مستدامة.
ومن هنا، ستتوقف نتائج استراتيجية جذب الاستثمار الجديدة والإصلاحات الرقمية والإجرائية على قدرتها على تقليل العقبات أمام المستثمرين، وتحويل الفرص المعلنة إلى مشروعات منفذة، وربط تدفقات الاستثمار بأهداف الإنتاج والتصدير والنمو الاقتصادي.













