كتبت: علياء محمد
ارتفع إجمالي تمويل الشركات الناشئة في مصر إلى نحو 614 مليون دولار خلال 2025، بزيادة 51% مقارنة بـ2024، لكن نمو قيمة التمويلات أخفى تحديًا آخر داخل السوق: عدد الصفقات تراجع، بينما تركز الجزء الأكبر من رأس المال في عدد محدود من الشركات، خصوصًا الشركات التي وصلت إلى مراحل النمو المتقدمة.
وبحسب تقرير «تشخيص منظومة ريادة الأعمال في مصر لعام 2026» الصادر عن شركة «انطلاق»، فإن إجمالي تمويل الشركات الناشئة المصرية خلال العام الماضي شمل تمويلات مقابل حصص ملكية وتمويلات بالدين، وفق بيانات منصة Africa: The Big Deal.
وتشير نتائج التقرير إلى أن زيادة رأس المال المتاح لا تعني بالضرورة أن الشركات الناشئة أصبحت أكثر قدرة على الحصول على التمويل، خصوصًا عندما تنتقل من المراحل المبكرة إلى جولات التمويل التي تحتاجها للتوسع.
614 مليون دولار.. لكن عدد الصفقات أقل
تكشف بيانات تمويل الشركات الناشئة في مصر عن مفارقة واضحة خلال 2025.
فبينما ارتفع إجمالي التمويل إلى 614 مليون دولار، بلغت تمويلات رأس المال المغامر 304 ملايين دولار عبر 69 صفقة خلال العام، وفق بيانات «ماغنيت» الواردة في التقرير.
وللمقارنة، بلغ عدد صفقات رأس المال المغامر في مصر 160 صفقة خلال 2022، ما يعني أن السوق شهد تراجعًا كبيرًا في عدد الصفقات، رغم تعافي قيمة التمويل.
وهنا تظهر أهمية الفصل بين قيمة التمويل وعدد الشركات التي تحصل عليه؛ إذ يمكن لعدد محدود من الصفقات الكبيرة أن يرفع إجمالي التمويلات، دون أن يعني ذلك وصول رأس المال إلى قاعدة أوسع من الشركات الناشئة.
الصفقات الكبيرة تستحوذ على جزء كبير من رأس المال
تؤكد بيانات أحجام الصفقات هذه الصورة أيضًا.
ووفق بيانات شركة «بارتك» العالمية للاستثمار في التكنولوجيا، بلغ متوسط حجم الصفقة في مصر خلال 2025 نحو 6 ملايين دولار، بينما كان الرقم الأوسط أقل بكثير من المتوسط.
ويعكس الفرق بين المتوسط والوسيط تأثير الصفقات الكبيرة على إجمالي السوق، وهو ما يجعل قيمة التمويلات الإجمالية وحدها غير كافية للحكم على مدى تحسن فرص الشركات الناشئة في الحصول على رأس المال.
فجوة التمويل تظهر عند الانتقال إلى مرحلة النمو
المشكلة لا تتوقف عند التمويل الأولي.
فبحسب تقييم مؤسسي الشركات الذي استند إليه تقرير «انطلاق»، حصلت قدرة الشركات الناشئة في مصر على الوصول إلى التمويل الأولي وما قبل الأولي على 2.53 نقطة من 5.
أما توافر التمويل لجولات الفئة «أ» وما بعدها، فسجل 2.63 نقطة من 5.
وتشير هذه النتائج إلى أن الوصول إلى التمويل يظل تحديًا أمام الشركات التي تتجاوز مرحلة التأسيس وتحتاج إلى رأس مال أكبر لبناء العمليات والتوسع في الأسواق.
12 صفقة في مراحل النمو تستحوذ على 691.3 مليون دولار
وتصبح الفجوة أكثر وضوحًا عند النظر إلى توزيع رأس المال حسب مرحلة الشركة.
فخلال الفترة من يناير 2023 إلى يوليو 2026، حصلت الشركات الناشئة في المراحل المبكرة على 38.1 مليون دولار عبر 16 صفقة، بمتوسط يقارب 2.4 مليون دولار للصفقة.
في المقابل، حصلت الشركات الموجودة في مراحل النمو على 691.3 مليون دولار عبر 12 صفقة فقط، بمتوسط بلغ نحو 57.6 مليون دولار للصفقة.
وبذلك، تكشف البيانات عن تركّز كبير لرأس المال في عدد محدود من الشركات التي وصلت إلى مراحل متقدمة، بينما تظل قاعدة الصفقات أضيق في هذه المراحل.
هل المشكلة نقص التمويل أم استمراريته؟
بحسب تقرير «تشخيص منظومة ريادة الأعمال في مصر لعام 2026»، فإن التحدي أمام السوق المصرية لا يتعلق فقط بجذب المزيد من رؤوس الأموال.
المشكلة تمتد إلى كيفية انتقال الشركات الناشئة بين مراحل التمويل المختلفة، ومدى توافر أدوات تمويل مناسبة لكل مرحلة من مراحل نمو الشركة.
ويرصد التقرير فجوات بين أدوات رأس المال الجريء والضمانات والديون ورأس المال الاستراتيجي، وهو ما قد يجعل انتقال الشركات من جولة تمويل إلى أخرى أكثر صعوبة، خصوصًا عندما تحتاج الشركة إلى تمويل كبير لتوسيع أعمالها.
وسجل مؤشر جاهزية منظومة ريادة الأعمال في مصر 2.90 نقطة من 5، وهو مستوى وصفه التقرير بأنه دون المستوى المحايد، بناءً على مسح شمل 130 مشاركًا و2790 إجابة، إلى جانب مراجعة البيانات العامة المتاحة.
ماذا تقول أرقام تمويل الشركات الناشئة في مصر؟
تقدم أرقام 2025 صورة مزدوجة للسوق المصرية: رأس المال عاد إلى الارتفاع، لكن الوصول إليه لا يزال غير متوازن بين الشركات ومراحل النمو.
فزيادة إجمالي التمويلات إلى 614 مليون دولار تمثل تحسنًا في حجم رأس المال المتاح، لكن انخفاض عدد الصفقات وتركيز مبالغ كبيرة في عدد محدود من الشركات يوضحان أن التحدي المقبل أمام منظومة ريادة الأعمال المصرية سيكون في توسيع قاعدة الشركات القادرة على الوصول إلى التمويل، وضمان استمرارية التمويل مع انتقالها من التأسيس إلى النمو والتوسع.
وهذا يعني أن قياس تطور سوق الشركات الناشئة في مصر لا يعتمد فقط على سؤال: كم دولارًا دخل السوق؟، وإنما أيضًا على سؤال أكثر أهمية: كم شركة استطاعت الحصول على هذا التمويل، وفي أي مرحلة من مراحل نموها؟










