السبائك تنتصر على المشغولات لأول مرة.. والأرقام تكشف تغيرًا تاريخيًا في سلوك المصريين
لم يعد الذهب في مصر مجرد وسيلة للزينة أو هدية للمناسبات، بل تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم أدوات الادخار والتحوط من التقلبات الاقتصادية. ومع استمرار الأسعار العالمية عند مستويات تاريخية، لم يغادر المصريون سوق الذهب، وإنما غيّروا طريقة الاستثمار فيه، متجهين بشكل متزايد إلى شراء السبائك والعملات الذهبية بدلًا من المشغولات التقليدية.
وتكشف بيانات مجلس الذهب العالمي (World Gold Council) عن تحول هيكلي في سلوك المستهلك المصري، جعل مصر السوق العربية الوحيدة التي تجاوز فيها الطلب على السبائك والعملات الذهبية حجم الطلب على المشغولات خلال الربع الأول من عام 2026.
41 طنًا مشتريات عربية.. ومصر في المركز الثاني
بحسب مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، بلغ إجمالي مشتريات السعودية والإمارات ومصر والكويت من الذهب نحو 41 طنًا خلال الربع الأول من عام 2026.
وجاءت السعودية في صدارة الأسواق العربية، بينما احتلت مصر المركز الثاني بإجمالي مشتريات بلغ 10.86 طنًا، تلتها الإمارات بإجمالي 8.72 طنًا، ثم الكويت بنحو 3.62 طنًا.
لكن اللافت لم يكن حجم الطلب فقط، وإنما تغير تركيبته داخل السوق المصرية.
السبائك تتفوق لأول مرة على المشغولات
أظهرت البيانات أن مشتريات المصريين توزعت بين 5.16 طن من المشغولات الذهبية و5.70 طن من السبائك والعملات الذهبية، لتصبح مصر الدولة الوحيدة بين الأسواق العربية الكبرى التي يتجاوز فيها الطلب الاستثماري الطلب الاستهلاكي.
واستحوذت السبائك والعملات على نحو 52.5% من إجمالي الطلب المحلي، مقابل 49.3% في الكويت، و45.7% في الإمارات، و28.7% فقط في السعودية.
لماذا تغير سلوك المستثمر المصري؟
يرى الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، أن ارتفاع معدلات التضخم وتقلبات الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة دفعت شريحة واسعة من المصريين إلى التعامل مع الذهب باعتباره أداة لحفظ القيمة، وليس مجرد منتج للزينة.
وأوضح أن السبائك والعملات تتميز بانخفاض تكلفة المصنعية مقارنة بالمشغولات الذهبية، كما يسهل إعادة بيعها مع خسائر أقل، وهو ما يجعلها أكثر ملاءمة للادخار والاستثمار طويل الأجل.
ارتفاع الأسعار لم يقلل الطلب.. لكنه غيّر اتجاهه
تكشف المقارنة بين الربع الأول من عامي 2025 و2026 عن تغير واضح في هيكل الطلب داخل الأسواق العربية.
فقد تراجع إجمالي المشتريات من 44.96 طنًا إلى 41 طنًا بانخفاض نسبته 8.8%.
ويرجع هذا الانخفاض إلى تراجع مشتريات المشغولات الذهبية من 31.30 طنًا إلى 24.43 طنًا، بانخفاض بلغ نحو 22%.
في المقابل، ارتفعت مشتريات السبائك والعملات من 13.66 طنًا إلى 16.57 طنًا، محققة نموًا سنويًا قدره 21.3%.
كيف تبدو خريطة الطلب في المنطقة؟
رغم تصدر السعودية إجمالي الطلب على الذهب، جاءت مصر في المركز الأول عربيًا من حيث مشتريات السبائك والعملات بإجمالي 5.70 طنًا، مقارنة بـ5.10 طن في السعودية، و3.99 طن في الإمارات، و1.78 طن في الكويت.
أما الإمارات، فقد سجلت إجمالي مشتريات بلغ 8.72 طنًا، مستفيدة من مكانتها كمركز عالمي لتجارة الذهب، بينما سجلت الكويت طلبًا متوازنًا بين الاستثمار والاستهلاك.
ماذا تعني هذه الأرقام لرواد الأعمال والمستثمرين؟
يعكس التحول نحو السبائك والعملات الذهبية تغيرًا في ثقافة إدارة الثروة داخل السوق المصرية، حيث أصبح المستثمرون والأفراد يبحثون عن أدوات أكثر قدرة على الحفاظ على القيمة في ظل تقلبات الأسواق وارتفاع معدلات التضخم.
كما يؤكد هذا الاتجاه نمو سوق المنتجات الاستثمارية المرتبطة بالذهب، ويفتح المجال أمام شركات التكنولوجيا المالية، ومنصات الاستثمار، وشركات تجارة المعادن الثمينة لتطوير حلول رقمية جديدة تلبي الطلب المتزايد على الاستثمار في الذهب.
مستقبل الذهب في مصر
تشير المؤشرات إلى أن الذهب أصبح يؤدي دورًا مزدوجًا يجمع بين الادخار والاستثمار، في وقت يتوقع فيه استمرار الإقبال على السبائك والعملات طالما استمرت حالة عدم اليقين الاقتصادي عالميًا، وتقلب أسعار الفائدة، وارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
وبالنسبة للسوق المصرية، يبدو أن التحول من شراء المشغولات إلى الاستثمار في الذهب لم يعد مجرد استجابة مؤقتة لارتفاع الأسعار، بل يمثل تغيرًا هيكليًا في سلوك المستهلك، يعيد رسم خريطة سوق الذهب خلال السنوات المقبلة.










