وتكشف قصة كارجيل كيف تحوّل نشاط بدأ بتخزين الحبوب في القرن التاسع عشر إلى مجموعة عالمية تؤدي دورًا مهمًا في سلاسل الإمداد الزراعية والغذائية.
كارجيل.. من مخزن حبوب عام 1865 إلى إمبراطورية عالمية
بدأت قصة كارجيل عام 1865، عندما اشترى ويليام والاس كارجيل مخزنًا للحبوب في ولاية آيوا الأمريكية، بالقرب من خط للسكك الحديدية. واستفاد النشاط من تطور شبكات النقل واتساع الأسواق الزراعية، بما ساعد على نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج إلى مراكز التجارة والاستهلاك.
ومع مرور الوقت، توسعت الشركة في تخزين الحبوب وتداولها، قبل أن تدخل مجالات أخرى مرتبطة بالزراعة والصناعات الغذائية. وأسهم هذا التوسع في تحويل النشاط من تجارة محلية إلى مجموعة أعمال تمتد عبر أسواق متعددة.
وبعد وفاة المؤسس عام 1909، تولى صهره جون ماكمايلان الأب قيادة الشركة، وواصل تطوير أعمالها. ومع تعاقب الأجيال، ارتبط اسم العائلتين بملكية الشركة وإدارتها، في نموذج حافظ على الطابع الخاص للمجموعة بعيدًا عن التداول العام لأسهمها.
المصدر: التاريخ الرسمي لشركة كارجيل.
154 مليار دولار إيرادات كارجيل في 2025
بلغت إيرادات كارجيل 154 مليار دولار خلال عام 2025، وفقًا لتقرير الأثر المنشور على موقع الشركة، مع قوة عاملة تتجاوز 155 ألف موظف وعمليات في 70 دولة.
وتعكس هذه الأرقام حجم النشاط الذي وصلت إليه المجموعة بعد أكثر من 160 عامًا من التوسع، كما توضح أهمية قطاعات الزراعة والتجارة والتصنيع في نموذج أعمالها.
لكن الإيرادات لا تعني صافي الأرباح؛ إذ تمثل إجمالي الدخل الناتج عن النشاط قبل خصم التكاليف والمصروفات. كذلك، لا تمثل إيرادات الشركة القيمة النقدية لثروة العائلة المالكة لها.
المصدر: تقرير كارجيل للأثر لعام 2025.
كيف بنت العائلة نفوذها في سوق الغذاء؟
لم يقتصر توسع كارجيل على شراء المحاصيل الزراعية وبيعها، بل امتد إلى أنشطة متعددة تشمل تجارة السلع الزراعية، وإنتاج الأعلاف الحيوانية، وتصنيع الأغذية ومكوناتها، ومعالجة اللحوم، إلى جانب خدمات وأنشطة مرتبطة بسلاسل الإمداد.
ويتيح تنوع هذه الأنشطة للشركة العمل في مراحل مختلفة من انتقال المنتجات الزراعية، بداية من تداول المحاصيل وتخزينها، مرورًا بالتصنيع وإنتاج الأعلاف، وصولًا إلى توفير مكونات تدخل في صناعات غذائية متعددة.
ومع اتساع عملياتها الدولية، أصبحت كارجيل لاعبًا رئيسيًا في أسواق السلع الزراعية، حيث يتأثر نشاطها بتغيرات أسعار المحاصيل وتكاليف النقل والطلب العالمي والسياسات التجارية.
ومع ذلك، فإن وجود الشركة في قطاعات متعددة لا يعني أنها تتحكم وحدها في سلسلة الغذاء العالمية؛ إذ تعمل إلى جانب شركات دولية وموردين ومنتجين ومؤسسات تجارية أخرى.
لماذا اختارت كارجيل البقاء بعيدًا عن البورصة؟
تُعد الملكية الخاصة إحدى أبرز سمات كارجيل، إذ لم تطرح الشركة أسهمها للتداول العام في البورصة، وظلت مرتبطة بعائلتي كارجيل وماكمايلان عبر أجيال متعاقبة.
ويتيح هذا النموذج للعائلة دورًا رئيسيًا في تحديد التوجهات الاستراتيجية طويلة الأجل، واتخاذ قرارات الاستثمار والتوسع وفق هيكل ملكية خاص، بدلًا من التعامل مع متطلبات السوق المرتبطة بالشركات المدرجة بالطريقة نفسها.
لكن البقاء شركة خاصة لا يعني غياب الالتزامات القانونية أو التنظيمية، ولا يضمن تلقائيًا كفاءة القرارات الاستثمارية؛ فكل نموذج ملكية له مزايا وتحديات ترتبط بالتمويل والشفافية والحوكمة.
14 مليارديرًا من عائلة واحدة.. ماذا نعرف عن الثروة؟
ارتبط اسم كارجيل-ماكمايلان بتقديرات ضخمة للثروة العائلية، نتيجة ملكية حصص في شركة تعمل على نطاق عالمي. وقد أشارت تقارير منشورة في عام 2015 إلى وجود 14 مليارديرًا من العائلة وفق تقديرات الثروة في ذلك الوقت.
ويجب التعامل مع هذا الرقم باعتباره تقديرًا تاريخيًا، لا إحصاءً حاليًا نهائيًا؛ إذ تتغير تقديرات الثروة وعدد أصحاب المليارات وفق قيمة الأصول والحصص والاستثمارات والمنهجية المستخدمة في كل تصنيف.
كما أن ثروة العائلة لا تعني امتلاك كل فرد فيها أموالًا نقدية بالقيمة نفسها، ولا تمثل إجمالي إيرادات الشركة أو أرباحها السنوية.
هل تسيطر كارجيل على سوق الغذاء العالمي؟
يستند نفوذ كارجيل إلى حجم عملياتها واتساع شبكة تجارتها وتنوع أنشطتها في قطاعات الزراعة والغذاء. غير أن وصفها بأنها تسيطر على سوق الغذاء العالمي يحتاج إلى تحديد السوق المقصودة، وحجم الحصة السوقية، والفترة الزمنية، ومصدر البيانات.
وتتداول بعض المواد أرقامًا كبيرة بشأن حصة الشركة من تجارة الحبوب العالمية، لكن لا ينبغي اعتماد تقديرات مثل السيطرة على 70% إلى 90% من هذه التجارة دون مصدر موثوق يوضح تعريف السوق والمنهجية المستخدمة.
وفي قطاع اللحوم الأمريكية، أورد تقرير بحثي للكونجرس الأمريكي بيانات تاريخية تشير إلى أن حصة كارجيل بلغت 22% من ذبح الأبقار التجاري في الولايات المتحدة عام 2007. ولا يمثل هذا الرقم تقديرًا لحصتها الحالية.
المصدر: تقرير بحثي عن المنافسة في قطاع اللحوم الأمريكي.
ما الذي تكشفه قصة كارجيل عن بناء الثروات؟
تكشف تجربة كارجيل عن أهمية الاستثمار طويل الأجل في البنية التحتية وسلاسل الإمداد، وتوسيع الأنشطة تدريجيًا، وتنويع مصادر الإيرادات، والحفاظ على القدرة التنافسية عبر الأجيال.
فمن مخزن للحبوب في ولاية آيوا عام 1865 إلى شركة عالمية بإيرادات سنوية بلغت 154 مليار دولار في 2025، تطورت كارجيل لتصبح أحد الأسماء الرئيسية في تجارة السلع الزراعية والصناعات المرتبطة بالغذاء.
وتكمن أهمية التجربة في أن بناء إمبراطورية أعمال لا يعتمد فقط على حجم المبيعات أو الثروة، بل على القدرة على إدارة الأصول والمخاطر، وتطوير العمليات، والتكيف مع تغيرات الأسواق العالمية.












