ريادي- محمد الصاوي
لم يعد النقاش حول التكلفة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي يقتصر على حجم الاستثمارات المطلوبة لبناء النماذج ومراكز البيانات، أو الكميات المتزايدة من الكهرباء والمياه اللازمة لتشغيلها، إذ بدأت تظهر فاتورة أخرى مرتبطة بالبنية المادية التي تقف خلف الطفرة التكنولوجية، تتمثل في الأجهزة والمعدات التي ستخرج من الخدمة مع تسارع دورة تحديث البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وحذرت Basel Action Network (BAN)، وهي منظمة غير حكومية متخصصة في تتبع المخلفات، من إمكانية تقاعد ما بين 395 و617 مليون طن من المعدات الإلكترونية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال الفترة من 2025 وحتى 2050، وفق تحليل نشرته في سبتمبر 2026 ووصفته بأنه الأول من نوعه الذي يحاول احتساب البنية التحتية الكاملة للذكاء الاصطناعي، وتشمل التقديرات الخوادم ووحدات معالجة الرسوميات ومعدات الشبكات والتبريد وغيرها من مكونات مراكز البيانات.
617 مليون طن ليست المشكلة الوحيدة
وتأتي تقديرات BAN في وقت يواجه فيه العالم بالفعل أزمة متصاعدة في المخلفات الإلكترونية. فقد أظهر Global E-waste Monitor 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات وبرنامج الأمم المتحدة للتدريب والبحث «UNITAR» أن العالم ولّد نحو 62 مليون طن من المخلفات الإلكترونية خلال 2022، بزيادة 82% عن 2010.
ويتوقع التقرير ارتفاع الرقم إلى نحو 82 مليون طن بحلول 2030، بينما لم تتجاوز نسبة المخلفات الإلكترونية التي جرى جمعها وإعادة تدويرها بصورة موثقة 22.3% في 2022.
وتكشف الأرقام أيضًا عن قيمة اقتصادية ضائعة؛ إذ احتوت المخلفات الإلكترونية المتولدة في 2022 على معادن تقدر قيمتها بنحو 91 مليار دولار، بينها 19 مليار دولار من النحاس و15 مليار دولار من الذهب و16 مليار دولار من الحديد، بينما بلغت قيمة المواد الخام الثانوية التي أمكن استردادها عبر إعادة التدوير نحو 28 مليار دولار.
فاتورة الكهرباء تتضخم بالتوازي
ولا تقف التكلفة عند المخلفات. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، استهلكت مراكز البيانات عالميًا نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء في 2024، مع توقعات بارتفاع الاستهلاك إلى أكثر من 945 تيراواط/ساعة بحلول 2030.
وتُعد تطبيقات الذكاء الاصطناعي أحد أهم محركات هذه الزيادة، مع توقع نمو استهلاك الخوادم المعتمدة على مسرعات الذكاء الاصطناعي بنحو 30% سنويًا في السيناريو الأساسي لوكالة الطاقة الدولية.
وتعني هذه الأرقام أن توسع الذكاء الاصطناعي يتحول إلى محرك جديد للاستثمار في توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع ومعدات الطاقة والتبريد، لكنه في المقابل يضيف ضغطًا على تكلفة الطاقة وعلى قدرة الشبكات المحلية في المناطق التي تستقطب مراكز البيانات.
من تكلفة الذكاء الاصطناعي إلى سوق جديدة
اقتصاديًا، تحمل هذه التطورات وجهين متناقضين. فمن ناحية، تعني سرعة تحديث الخوادم والمعدات دورة استثمارية أسرع للشركات العاملة في تصنيع الرقائق والخوادم ومعدات الشبكات والتبريد والطاقة.
لكن الوجه الآخر يتمثل في ارتفاع تكلفة التخلص من المعدات القديمة، والحاجة إلى إنشاء سلاسل إمداد متخصصة لجمع وفرز وإعادة تدوير مكونات مراكز البيانات، خصوصًا مع احتواء الأجهزة الإلكترونية على معادن ومواد ذات قيمة اقتصادية إلى جانب مواد خطرة.
وهنا تتحول المخلفات الإلكترونية من ملف بيئي إلى سوق اقتصادية محتملة في الاقتصاد الدائري، تشمل شركات إعادة التدوير، واستخلاص المعادن، وتجديد الخوادم، وإعادة استخدام المكونات، وإدارة المخلفات الصناعية، وتوفير حلول تتبع دورة حياة المعدات.
مصر أمام فرصة استثمارية
ولا تبدو مصر بعيدة عن هذه المعادلة، خاصة مع توسع الاستثمار في مراكز البيانات والخدمات الرقمية ومشروعات الذكاء الاصطناعي.
وتشير بيانات وزارة البيئة المصرية إلى أن مصر تولد نحو 90 ألف طن من المخلفات الإلكترونية سنويًا، مع اتجاه الدولة إلى دعم مشروعات إعادة التدوير وخلق فرص عمل في الاقتصاد الأخضر والدائري.
كما تعمل وزارة البيئة بالتعاون مع البنك الدولي على مشروع تجريبي يستهدف جمع وإعادة تدوير نحو 4 آلاف طن من المخلفات الإلكترونية من مختلف المحافظات.
وتزداد أهمية هذا الملف مع نمو صادرات الخدمات الرقمية المصرية؛ إذ أعلنت هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» وصول صادرات التعهيد والخدمات الرقمية إلى 4.8 مليار دولار في 2025.
ومع توسع مراكز البيانات والخدمات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فإن مصر لا تحتاج فقط إلى جذب الاستثمار في البنية الرقمية، وإنما إلى بناء منظومة موازية لإدارة النفايات الإلكترونية ومعدات مراكز البيانات، بما يسمح بتحويل جزء من التكلفة المستقبلية إلى قيمة اقتصادية محلية.
البيانات.. تكلفة أخرى على الشركات
ولا تتوقف فاتورة الذكاء الاصطناعي عند الطاقة والمعدات. فكلما توسع استخدام النماذج الذكية، أصبحت البيانات والأمن السيبراني والخصوصية جزءًا من تكلفة الاستثمار.
وخلصت ورقة بحثية نسقها معهد Fraunhofer ISI في ألمانيا إلى أن المعادلة القائلة إن «حماية أقل للبيانات تعني ابتكارًا أكبر» لا تعكس الأدلة البحثية المتاحة، مشيرة إلى أن الشركات الصغيرة والناشئة تواجه أعباء بيروقراطية وعدم يقين قانوني أكبر من الشركات الرقمية الكبيرة.
الأمن السيبراني يدخل حسابات الاستثمار
وتظهر المخاطر بصورة أكثر وضوحًا مع انتقال وكلاء الذكاء الاصطناعي من مجرد تقديم إجابات إلى تنفيذ مهام داخل أنظمة حقيقية.
وفي أستراليا، دعت لجنة تحقيق برلمانية إلى استجواب قيادات OpenAI وAnthropic عقب الكشف عن وصول وكيل تابع لـOpenAI بصورة غير مصرح بها إلى أنظمة حكومية أسترالية، في واقعة دفعت المشرعين إلى بحث تداعيات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات على الاقتصاد والمجتمعات والمياه والطاقة.
المعادلة الاقتصادية الجديدة
تكشف هذه التطورات أن اقتصاد الذكاء الاصطناعي لا يمكن قياسه فقط بقيمة الشركات أو الاستثمارات في النماذج ومراكز البيانات. فكل دولار يُستثمر في الذكاء الاصطناعي يرتبط بسلسلة أطول من الاحتياجات تشمل الكهرباء، والشبكات، والتبريد، والمياه، والرقائق، والخوادم، والمعادن، والأمن السيبراني، ثم في نهاية دورة الاستخدام إدارة المعدات التي خرجت من الخدمة.
وبالنسبة لمصر، قد تتحول هذه التحديات إلى فرص استثمارية إذا جرى التعامل معها مبكرًا، من خلال التوسع في إعادة تدوير المعدات الإلكترونية، وتجديد الخوادم، واستخلاص المعادن، وإدارة المخلفات الصناعية، وحلول كفاءة الطاقة والتبريد.
وبذلك لا تصبح النفايات الإلكترونية مجرد فاتورة جانبية للذكاء الاصطناعي، وإنما جزءًا من اقتصاد جديد حول الذكاء الاصطناعي، يمكن للدول والشركات التي تبني منظومته مبكرًا أن تستفيد من موارده بدل تحمل تكلفته فقط.










