من شركة ناشئة تبحث عن التمويل إلى «يونيكورن» ثم إلى البورصة المصرية.. رحلة «إم إن تي حالا» تدخل اليوم مرحلة جديدة، لكن السؤال لم يعد كم تبلغ قيمة الشركة، بل: هل تستطيع الأرقام وحدها إقناع السوق بهذه القيمة؟
تبدأ اليوم الأربعاء عملية الاكتتاب في أسهم إم إن تي تك القابضة للاستثمارات المالية «إم إن تي حالا»، في واحد من أبرز الطروحات التي يشهدها سوق المال المصري خلال السنوات الأخيرة، بعدما حددت الشركة سعر الطرح عند 24.50 جنيه للسهم، لبيع نحو 320 مليون سهم تمثل 20% من رأسمال الشركة، بقيمة إجمالية تصل إلى 7.84 مليار جنيه.
وقد يرتفع حجم الطرح إلى 400 مليون سهم تمثل 25% من الشركة، ما يعني أن القيمة الإجمالية للأسهم المطروحة قد تصل عند السعر نفسه إلى نحو 9.8 مليار جنيه.
لكن الأرقام الكبيرة لا تتوقف هنا. وراء الـ320 مليون سهم تقف شركة تمتلك قاعدة تضم نحو 1.9 مليون عميل نشط، ومحفظة تمويل تبلغ 46.7 مليار جنيه، وتاريخ تمويلات تراكمية يقارب 178 مليار جنيه، ومدفوعات معالجة عبر منصتها تتجاوز 207 مليارات جنيه.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
24.50 جنيه.. ماذا يشتري المستثمر؟
على سعر 24.50 جنيه للسهم، ومع وجود 1.6 مليار سهم، تصل القيمة السوقية الضمنية لـ«إم إن تي تك» إلى نحو 39.2 مليار جنيه. وهذا الرقم أهم من حصيلة الطرح نفسها، لأن المستثمر الذي يدخل الاكتتاب لا يشتري مجرد 320 مليون سهم، بل يشارك في تسعير النشاط المصري لشركة تحولت خلال سنوات قليلة من مشروع ناشئ في الخدمات المالية إلى واحدة من أكبر منصات التكنولوجيا المالية في السوق.
وتبلغ القيمة العادلة للسهم وفق تقييم المستشار المالي المستقل 25.92 جنيه، مقابل سعر طرح عند 24.50 جنيه، أي أن سعر الاكتتاب يقل بنحو 5.5% عن القيمة العادلة المقدرة. لكن الفارق وحده لا يعني أن السهم رخيص، فالقيمة السوقية البالغة 39.2 مليار جنيه تعني أن السوق ستبدأ في التعامل مع الشركة عند تقييم يعادل نحو 20 مرة صافي أرباح 2025 وفق الأرقام المعلنة، وهو ما يجعل قدرة الشركة على تحقيق النمو المستقبلي عنصرًا أساسيًا في تبرير هذا التقييم.
المفاجأة الأولى.. الـ7.84 مليار جنيه ليست خزينة «إم إن تي حالا»
وهنا توجد واحدة من أهم التفاصيل التي قد تضيع وسط ضجيج أرقام الطرح. الطرح الأساسي هو بيع أسهم قائمة مملوكة للمساهم الرئيسي «MNT Investments B.V.»، وليس إصدارًا جديدًا بالكامل لتمويل الشركة.
بمعنى آخر، فإن حصيلة الـ7.84 مليار جنيه من بيع الـ320 مليون سهم لا تمثل أموالًا تدخل مباشرة إلى خزينة «إم إن تي تك» لتمويل عملياتها. المستثمر لا يشتري سهمًا في شركة تجمع 7.84 مليار جنيه لزيادة محفظة التمويل أو فتح فروع جديدة، وإنما يشتري حصة في نشاط قائم، بينما تأتي عمليات زيادة رأس المال والتمويل الجديدة ضمن ترتيبات منفصلة.
وتؤكد بيانات الاكتتاب أن البائع هو المساهم الرئيسي MNT Investments B.V.، بينما تظل الشركة المصرية هي الكيان المدرج في البورصة. وهذا يعني أيضًا أن المستثمرين في البورصة المصرية لا يشترون المجموعة العالمية بالكامل، وإنما يشترون النشاط المصري المدرج.
من مشروع ناشئ إلى ماكينة تمويل
تأسست «إم إن تي تك» عام 2018 تحت اسم «إم إن تي لتنمية المشروعات الصغيرة»، قبل تغيير اسمها في مارس 2020. لكن جذور قصة «إم إن تي حالا» تعود إلى أبعد من ذلك، إذ بدأت المجموعة في بناء نشاطها حول التمويل والخدمات المالية، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى منصة تجمع التمويل والمدفوعات والخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية.
والشركة القابضة نفسها لا تمارس النشاط التشغيلي بشكل مباشر، وإنما تتمثل مهمتها الأساسية في تأسيس وتملك وإدارة استثمارات في شركات الخدمات المالية غير المصرفية والتكنولوجيا المالية والمدفوعات الإلكترونية والخدمات الرقمية والاستثمارية والتجارة الإلكترونية.
وتحت هذه المظلة تتوزع مجموعة من الشركات، أبرزها تساهيل للتمويل، حالا للتمويل الاستهلاكي، حالا للمدفوعات، حالا للوساطة في الأوراق المالية، مشروعي للتجارة، دايرة للحلول الإلكترونية، وحالا لخدمات التمويل غير المصرفية.
وتملك «إم إن تي تك» بصورة مباشرة وغير مباشرة 100% من حالا للمدفوعات، و99.9% من تساهيل للتمويل وحالا للتمويل الاستهلاكي وحالا للوساطة في الأوراق المالية، كما تمتلك 74.9% من مشروعي للتجارة، و99.9% من دايرة للحلول الإلكترونية، و58.5% من صندوق حالا وأزيموت العقاري.
أي أن المستثمر في السهم لا يدخل شركة تمويل واحدة، بل يدخل مظلة استثمارية تضم مجموعة من الأنشطة المالية والرقمية.
44.2 مليار جنيه أصول.. و31.7 مليار جنيه تمويلات للشركات التابعة
بنهاية يونيو 2026، بلغ إجمالي أصول الشركة نحو 44.2 مليار جنيه، مقابل التزامات بنحو 35.7 مليار جنيه وحقوق أقلية تبلغ نحو 8.5 مليار جنيه. أما القروض والتسهيلات الائتمانية الممنوحة للشركات التابعة فبلغت نحو 31.7 مليار جنيه في 30 يونيو 2026.
واللافت هنا أن الشركة القابضة نفسها لا تحمل قروضًا أو تسهيلات ائتمانية، وفق بيانات الطرح. وهذا التفصيل مهم عند قراءة الميزانية؛ لأن الجزء الأكبر من النشاط الائتماني موجود داخل الشركات التابعة، وليس في الشركة القابضة ذاتها.
وفي سوق يقوم جزء كبير من نمو شركات التكنولوجيا المالية على القدرة على توفير التمويل ثم تدويره مرة أخرى، تصبح جودة المحفظة الائتمانية وتكلفة التمويل والتحصيل والمخصصات أهم من مجرد حجم المحفظة.
178 مليار جنيه.. رحلة الأموال التي مرّت عبر المنظومة
منذ بدء النشاط، تقول الشركة إن إجمالي التمويلات التي جرى ضخها للعملاء وصل إلى نحو 178 مليار جنيه. وبنهاية يونيو 2026، بلغت محفظة التمويل نحو 46.7 مليار جنيه، بينما تجاوزت قيمة المدفوعات التي عالجتها المنصة 207 مليارات جنيه.
هذه الأرقام ترسم صورة مختلفة عن «إم إن تي حالا». فالشركة لم تعد مجرد تطبيق إلكتروني أو شركة إقراض رقمي، وإنما أصبحت منظومة مالية تتعامل مع التمويل والمدفوعات والخدمات غير المصرفية عبر شبكة توزيع واسعة.
وبلغ عدد العملاء النشطين نحو 1.9 مليون عميل بنهاية يونيو 2026، فيما تتعامل المجموعة مع شبكة تضم أكثر من 5 آلاف تاجر. وتعمل المجموعة كذلك عبر أكثر من 1,200 نقطة توزيع في 25 محافظة، وفق بيانات الشركة.
التوريق.. الوجه الآخر لنمو محفظة التمويل
لكن النمو في الإقراض يحتاج إلى أموال، وهنا يظهر أحد أهم مصاد













