في لحظةٍ بدت فيها الأسواق المصرية وكأنها تسير فوق خيطٍ رفيع بين التوسع المالي والانضباط النقدي، خرج هشام عز العرب بتصريحات أعادت الجدل حول مستقبل التمويل غير المصرفي في مصر، لكن خلف هذه التصريحات يقف رجل لا تُختصر حكايته في منصب مصرفي أو أرقام مالية، بل في رحلة طويلة من التمرد والعمل والصراحة القاسية.
حفيد ثورة.. بعقلية ضابط واقتصادي
نشأ هشام عز العرب داخل بيت يعرف معنى الانضباط قبل الرفاهية. فوالده كان ضابطًا بالقوات المسلحة، بينما كان جده محمد بك عز العرب أحد رجال ثورة 1919 المقربين من سعد زغلول.
داخل هذا المناخ تشكلت شخصية الرجل؛ احترام الدولة، تقديس الضمير، والإيمان بأن الإنسان يُحاسب أولًا أمام نفسه لا أمام مديره.
ورغم الصورة الذهنية الحالية عنه كمصرفي استثنائي، فإن بداياته الدراسية لم تكن مثالية. فقد رسب في بعض المواد خلال المرحلة الثانوية، قبل أن يعيد تشكيل نفسه لاحقًا ويتفوق جامعيًا بصورة أدهشت أساتذته.
من مصنع السوسيس إلى «النايت كلوب»
بعيدًا عن قاعات البنوك الهادئة، كانت حياة هشام عز العرب أكثر صخبًا وإنسانية. عمل خلال شبابه في مصنع للسوسيس بالدنمارك، كما عمل منقذًا ومدرب سباحة في فندق مينا هاوس.
وعقب تخرجه، وبينما كان يعمل صباحًا في البنك العربي الأفريقي، كان يقضي الليل كاشيرًا داخل ملهى ليلي بأحد الفنادق.
هذه التجارب صنعت لديه فهمًا مختلفًا للبشر، لذلك ظل لاحقًا قريبًا من تفاصيل الناس البسطاء رغم سنوات النفوذ المالي.
حين سافر للخارج.. تعلّم أن المعرفة هي القوة
في الثمانينيات والتسعينيات، انتقل هشام عز العرب للعمل داخل مؤسسات مالية عالمية مثل ميريل لينش، جي بي مورجان، ودويتشه بنك بين نيويورك ولندن.
هناك، لم يتعلم فقط أدوات الاستثمار الحديثة، بل تشكلت فلسفته الإدارية بالكامل.
كان يؤمن أن المدير الحقيقي هو من يصنع بديلًا له، وأن الشخص غير القابل للاستبدال لا يمكن ترقيته.
كما تعلّم أن المعرفة ليست رفاهية، بل مصدر القوة الحقيقي داخل عالم المال.
رحلة بناء «السي آي بي»
حين انضم إلى البنك التجاري الدولي CIB عام 1999، لم يكن البنك قد تحول بعد إلى الكيان المصرفي الأبرز في القطاع الخاص المصري.
لكن عز العرب كان يرى المستقبل بصورة مختلفة. دخل في صدامات مبكرة مع الحرس القديم داخل المؤسسة بسبب إصراره على التكنولوجيا والتحول الرقمي.
أصر على توفير جهاز كمبيوتر وبريد إلكتروني لكل موظف، في وقت كان البعض يعتبر الإنترنت رفاهية غير ضرورية.
ومع الوقت، نجح في تحويل البنك إلى واحدة من أبرز المؤسسات المصرفية في المنطقة، مع تعزيز ثقافة الولاء المؤسسي ومنح الموظفين شعور الشراكة لا مجرد الوظيفة.
الرجل الذي لا يحب السياسة
رغم حضوره القوي داخل المشهد الاقتصادي، ظل هشام عز العرب يردد دائمًا أنه «غير سياسي».
يرى أن السياسة تحتاج أحيانًا إلى المجاملة، بينما هو يفضل الصراحة المباشرة حتى لو بدت قاسية.
وربما لهذا جاءت تصريحاته الأخيرة بشأن التمويل غير المصرفي مختلفة عن الخطابات التقليدية؛ فقد تحدث بوضوح عن مخاوفه من التوسع غير المنضبط في الاقتراض الاستهلاكي وتأثيره على الاقتصاد الكلي.
«اقطع خسارتك».. فلسفة لا يعرفها كثيرون
من أكثر المبادئ التي يؤمن بها هشام عز العرب فكرة «Cut Your Losses» أو «اقطع خسارتك».
إذا اكتشف أن قرارًا ما خاطئ، أو أن شخصًا معينًا غير مناسب، فإنه يفضل التراجع السريع بدلًا من الاستمرار في الخطأ خوفًا من الاعتراف بالفشل.
هذه الفلسفة لم تكن مجرد قاعدة إدارية بالنسبة له، بل طريقة حياة كاملة قائمة على الشجاعة والمواجهة.
الاقتصاد ليس وطنية عاطفية
في رؤيته الاقتصادية، يبدو هشام عز العرب منحازًا للواقعية الصارمة أكثر من الشعارات.
يرى أن سعر الصرف ليس قضية كرامة وطنية، بل أداة اقتصادية لامتصاص الصدمات، وأن المشكلة ليست في ارتفاع الدولار أو انخفاضه، بل في غيابه من السوق.
كما يعتبر أن عجز الموازنة وطباعة النقود من الأسباب الجوهرية للتضخم، ويدعو دائمًا إلى الانضباط المالي ووضع سقف واضح للدين.
الرجل الذي خسر الوقت وربح السمعة
وسط كل النجاحات المهنية، يعترف هشام عز العرب أن أكبر خسائره كانت الوقت الذي لم يقضه مع عائلته.
ومع مرور السنوات، أصبح أكثر حديثًا عن التوازن بين العمل والحياة، وعن أهمية أن يترك الإنسان خلفه سمعة محترمة لا مجرد ثروة أو منصب.
ربما لهذا بقي هشام عز العرب حاضرًا في المشهد الاقتصادي المصري طوال هذه السنوات؛ ليس فقط لأنه مصرفي ناجح، بل لأنه رجل خاض رحلته المهنية بعقل عالمي، لكنه احتفظ دائمًا بروح ابن البلد الذي يعرف أن الأرقام وحدها لا تصنع القيمة.












