شهدت منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال مايو 2026 قفزة لافتة في حجم التمويلات، إلا أن التعمق في قراءة الأرقام يكشف صورة أكثر تعقيدًا من مجرد نمو استثماري واسع النطاق، إذ لا يزال المستثمرون يتبنون نهجًا حذرًا يركز على الشركات الأكثر نضجًا والصفقات الكبرى ذات المخاطر الأقل.
ووفقًا لبيانات منصة Fund Global MENA، نجحت الشركات الناشئة في المنطقة في جمع نحو 454.7 مليون دولار عبر 33 صفقة خلال مايو 2026، مسجلة نموًا بنسبة 202% مقارنة بشهر أبريل، وارتفاعًا سنويًا قدره 76% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
صفقات الدين تقود النمو
ورغم قوة الأرقام الظاهرة، فإن الجزء الأكبر من هذا النمو جاء مدفوعًا بصفقات التمويل بالدين، التي استحوذت على نحو 66% من إجمالي التمويلات بقيمة بلغت 300.5 مليون دولار عبر صفقتين فقط. ويشير ذلك إلى أن الزيادة الكبيرة في حجم التمويل لم تكن نتيجة توسع شامل في النشاط الاستثماري، بقدر ما كانت انعكاسًا لتأثير عدد محدود من الصفقات الضخمة.
انخفاض عدد الصفقات يعكس الحذر
في المقابل، واصل عدد الصفقات تراجعه على أساس سنوي بنسبة 57% مقارنة بمايو 2025، وهو مؤشر يعكس تغيرًا واضحًا في توجهات المستثمرين الذين أصبحوا أكثر انتقائية في اختيار الشركات المستهدفة، مع التركيز على نماذج الأعمال الواضحة والشركات القادرة على تحقيق نمو مستدام وربحية مستقبلية.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تشهدها أسواق رأس المال الجريء عالميًا، مدفوعة بالتحديات الاقتصادية، وارتفاع تكلفة التمويل، والتوترات الجيوسياسية التي تؤثر على شهية المستثمرين للمخاطرة.
الإمارات تتصدر المشهد
حافظت الإمارات على موقعها كأكبر سوق للتمويلات الناشئة في المنطقة، بعدما استقطبت نحو 379 مليون دولار عبر 15 صفقة خلال مايو. وجاء الجزء الأكبر من هذه القيمة بفضل صفقة التمويل بالدين التي حصلت عليها شركة Trukker بقيمة 300 مليون دولار.
وتشير الأرقام إلى أنه عند استبعاد هذه الصفقة الاستثنائية، تتقلص الفجوة بشكل ملحوظ بين الإمارات والأسواق الإقليمية الأخرى، ما يبرز التأثير الكبير للصفقات العملاقة على إجمالي المؤشرات الاستثمارية.
السعودية تواصل النمو
من جانبها، واصلت السعودية تعزيز حضورها في منظومة ريادة الأعمال الإقليمية، حيث جمعت 11 شركة ناشئة تمويلات بلغت 70 مليون دولار خلال مايو، محققة نموًا بنسبة 167% مقارنة بالشهر السابق.
ويعكس هذا الأداء استمرار الزخم الذي يشهده السوق السعودي بدعم من برامج التحول الاقتصادي، وتوسع صناديق رأس المال الجريء، وزيادة مشاركة المستثمرين المؤسسيين في تمويل الشركات الناشئة.
مصر تحافظ على مكانتها
أما مصر فجاءت في المرتبة الثالثة، بعدما تمكنت ثلاث شركات ناشئة من جمع نحو 5 ملايين دولار خلال الشهر.
ورغم محدودية التمويلات مقارنة بالأسواق الخليجية، فإن مصر لا تزال تحتفظ بمكانة محورية داخل منظومة ريادة الأعمال الإقليمية، بفضل حجم السوق الكبير، وتنوع الفرص الاستثمارية، والنشاط المتواصل في قطاعات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.
اللوجستيات والفنتيك في الصدارة
قطاعيًا، تصدر قطاع اللوجستيات قائمة القطاعات الأكثر جذبًا للتمويلات بقيمة بلغت 300 مليون دولار، مدفوعًا بصفقة Trukker، بينما جاء قطاع التكنولوجيا المالية (FinTech) في المرتبة الثانية بإجمالي تمويلات وصل إلى 105.7 مليون دولار.
وفي المقابل، استحوذت شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) على أكبر عدد من الصفقات المنفذة خلال الشهر، ما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بالشركات القائمة على الإيرادات المتكررة والنماذج القابلة للتوسع.
مرحلة جديدة: الجودة قبل الكمية
تكشف نتائج مايو 2026 عن تحول متزايد في أولويات المستثمرين داخل المنطقة، حيث أصبح التركيز منصبًا على الشركات التي تمتلك أسسًا تشغيلية قوية ومسارات نمو واضحة، بدلاً من التوسع في تمويل عدد كبير من الشركات في مراحلها المبكرة.
ويبدو أن منظومة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ”الجودة قبل الكمية”، حيث تتراجع أعداد الصفقات تدريجيًا مقابل ارتفاع متوسط قيمة الاستثمار في الشركات القادرة على تحقيق النمو والاستدامة.
أكثر من 1.5 مليار دولار خلال خمسة أشهر
وعلى مستوى الأداء السنوي، تجاوز إجمالي التمويلات التي حصلت عليها الشركات الناشئة في المنطقة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 حاجز 1.5 مليار دولار، في مؤشر يؤكد استمرار تدفق رؤوس الأموال إلى قطاع ريادة الأعمال، رغم التحديات الاقتصادية والإقليمية التي تواجه الأسواق العالمية.
ويبقى السؤال الأهم: هل يمثل هذا النمو بداية دورة استثمارية جديدة أكثر نضجًا واستدامة، أم أنه مجرد انعكاس لعدد محدود من الصفقات الكبرى؟ الإجابة ستتضح مع تطور أداء السوق خلال النصف الثاني من العام.










