شهدت منظومة الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال أغسطس 2026 تدفقات استثمارية معلنة بلغت نحو 363.45 مليون دولار عبر 27 صفقة، وفق مسح أجرته «ريادي» لرصد وتحليل جولات التمويل والاستثمار في الشركات الناشئة العربية خلال الشهر.
وتشير هذه الصورة إلى استمرار ظاهرة «قانون القوة» (Power Law) في سوق رأس المال الجريء؛ حيث يمكن لجولة واحدة ضخمة أن تغير شكل المؤشرات الشهرية بالكامل، بينما تظل عشرات الشركات الأخرى تتحرك في نطاقات تمويلية أصغر.
وبحسب المسح الذي أجرته «ريادي»، فإن متوسط قيمة الصفقة المعلنة خلال أغسطس بلغ نحو 13.4 مليون دولار، إلا أن هذا المتوسط يتأثر بصورة شديدة بالجولات الكبرى، ولا يعكس الحجم المعتاد لمعظم الصفقات التي أُغلقت خلال الشهر.
أسبوع الصفقات الكبرى.. 260.45 مليون دولار في بداية أغسطس
بدأ أغسطس بزخم استثنائي، بعدما سجلت الفترة من 1 إلى 8 أغسطس استثمارات معلنة بقيمة 260.45 مليون دولار من خلال 6 صفقات، بمتوسط يقارب 43.4 مليون دولار للصفقة.
ويعود الجزء الأكبر من هذا الرقم إلى جولة شركة Moove البالغة 250 مليون دولار، والتي تمثل بمفردها نحو 68.7% من إجمالي الاستثمارات المعلنة التي رصدها مسح «ريادي» خلال الشهر.
وهنا تظهر إحدى أهم الملاحظات التحليلية في قراءة بيانات أغسطس: إجمالي التمويل الشهري لا يعكس بالضرورة اتساع قاعدة الاستثمار بقدر ما يعكس حجم بعض الجولات الاستثنائية.
فباستثناء جولة Moove، ينخفض إجمالي الاستثمارات المعلنة في باقي الصفقات إلى نحو 113.45 مليون دولار، ما يعطي صورة مختلفة عن مستوى السيولة التي وصلت إلى الشركات الناشئة بعيدًا عن الجولة العملاقة.
ويؤكد ذلك أن السوق العربي لا يزال قادرًا على جذب رؤوس أموال ضخمة إلى الشركات التي وصلت إلى مراحل نمو متقدمة، في الوقت الذي يستمر فيه نشاط التمويل المبكر ولكن بأحجام أصغر.
التدفقات الاستثمارية حسب أسابيع أغسطس
| الفترة | قيمة الاستثمارات | عدد الصفقات | متوسط الصفقة |
|---|---|---|---|
| 1–8 أغسطس | 260.45 مليون دولار | 6 | 43.4 مليون دولار |
| 9–15 أغسطس | 14.1 مليون دولار | 5 | 2.8 مليون دولار |
| 16–22 أغسطس | 7.4 مليون دولار | 10 | 0.74 مليون دولار |
| 23–29 أغسطس | 81.5 مليون دولار | 6 | 13.5 مليون دولار |
| الإجمالي | 363.45 مليون دولار | 27 | 13.4 مليون دولار |
ويظهر من البيانات التي جمعتها «ريادي» أن الأسبوع الثالث كان الأكثر كثافة من حيث عدد الصفقات، رغم أنه كان الأضعف من حيث القيمة المالية، إذ شهد 10 صفقات بقيمة إجمالية بلغت 7.4 مليون دولار فقط.
وهذا التباين مهم؛ لأنه يشير إلى وجود نشاط مستمر في قاعدة السوق، حتى عندما تتراجع قيمة الجولات. بمعنى آخر، السيولة الكبيرة متركزة في القمة، بينما النشاط الاستثماري أكثر انتشارًا في القاعدة.
الإمارات تقود القيمة.. والسعودية تراهن على كثافة الصفقات
على المستوى الجغرافي، تظهر الإمارات العربية المتحدة باعتبارها مركز الثقل الرئيسي من حيث قيمة التمويل المعلن خلال أغسطس.
فقد استحوذت شركات إماراتية على مجموعة من أكبر الجولات التي رصدها مسح «ريادي»، وفي مقدمتها Moove بقيمة 250 مليون دولار، وFasset بقيمة 68 مليون دولار، وNaran بقيمة 10 ملايين دولار.
وبالتالي، فإن الإمارات لا تتصدر فقط من خلال عدد محدود من الصفقات، وإنما من خلال قدرتها على استقطاب رأس المال الموجه إلى مراحل النمو والتوسع، وهو نوع التمويل الذي يرفع إجمالي قيمة السوق بسرعة.
في المقابل، تظهر السعودية بصورة مختلفة؛ إذ تبدو أكثر نشاطًا من زاوية كثافة وتنوع الصفقات، مع حضور شركات مثل RIME وFitting وAILA وSARSatX.
وبحسب تحليل «ريادي» لبيانات أغسطس، فإن الفارق بين السوقين لا يتعلق فقط بحجم رأس المال، وإنما بطبيعة الدور الذي يؤديه كل منهما داخل المنظومة الإقليمية: الإمارات تبدو أكثر ارتباطًا بجولات النمو الكبرى، بينما تعكس السعودية قاعدة أوسع من النشاط الاستثماري في مراحل وقطاعات متعددة.
عُمان.. من سوق هامشي إلى حضور لافت في التمويل المبكر
من أبرز التحولات التي رصدها مسح «ريادي» خلال أغسطس، الظهور اللافت لـسلطنة عُمان على خريطة التمويل الإقليمي.
فقد شهد أحد أسابيع الشهر تمويل 5 شركات عُمانية هي سوق كارز، باكن، iO Eats، دربك، وDecoil، وهو مستوى من النشاط يستحق التوقف عنده، خصوصًا إذا قورن بحجم السوق العُماني مقارنة بمراكز الاستثمار الأكبر في المنطقة.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن عُمان تحولت إلى مركز إقليمي منافس للإمارات أو السعودية، لكنه يمثل مؤشرًا على اتساع رقعة النشاط الاستثماري العربي خارج المراكز التقليدية.
ومن زاوية استراتيجية، قد يكون هذا الحضور مرتبطًا بتطور برامج دعم ريادة الأعمال والمسرعات وصناديق الاستثمار المحلية، إلا أن إثبات العلاقة المباشرة بين هذه البرامج وحجم الصفقات يحتاج إلى بيانات إضافية.
كما رصدت «ريادي» خلال الشهر نشاطًا في أسواق أخرى مثل الأردن عبر عرب ثيرابي وHeyBreez، والعراق عبر روزنامة، والبحرين عبر SOOR، بما يعكس استمرار ظهور صفقات نوعية من أسواق لا تستحوذ عادةً على الجزء الأكبر من رأس المال الجريء الإقليمي.
الذكاء الاصطناعي يتحول من قطاع مستقل إلى «طبقة» داخل الشركات
لا تكشف بيانات أغسطس عن صعود الذكاء الاصطناعي باعتباره قطاعًا منفصلًا فقط، وإنما عن تحول أكثر أهمية: الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من القيمة الاستثمارية لعدد متزايد من الشركات العاملة في قطاعات مختلفة.
وقد رصد مسح «ريادي» استخدامات وتطبيقات للذكاء الاصطناعي في شركات مثل RIME وMozn وHeyBreez وDecoil وStellaria، بما يشمل تطبيقات مرتبطة بالتحليلات والذكاء الجيومكاني وحلول الأعمال المتخصصة.
وهذا التحول مهم للمستثمرين؛ لأن السؤال لم يعد: «هل الشركة تعمل في الذكاء الاصطناعي؟»، وإنما أصبح: «إلى أي مدى يمثل الذكاء الاصطناعي عنصرًا حقيقيًا في نموذج أعمال الشركة وقدرتها على تحقيق النمو أو خفض التكلفة؟»
وتشير قراءة «ريادي» إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد انتقالًا أكبر من الاستثمار في شركات تحمل شعار الذكاء الاصطناعي إلى الاستثمار في شركات لديها بيانات مميزة، أو بنية تقنية، أو استخدامات متخصصة للذكاء الاصطناعي يمكن تحويلها إلى ميزة تنافسية مستدامة.
التنقل والـFintech.. قطاعات لا تزال قادرة على جذب رأس المال الكبير
رغم صعود الذكاء الاصطناعي، فإن أغسطس لم يكن شهرًا للذكاء الاصطناعي وحده.
فقطاع التنقل واللوجستيات استحوذ على الجزء الأكبر من القيمة الاستثمارية بفضل جولة Moove، بما يعكس استمرار اهتمام المستثمرين بالشركات التي تستهدف مشكلات تشغيلية واسعة النطاق وتمتلك فرصًا للتوسع عبر أسواق متعددة.
كما حافظ قطاع التكنولوجيا المالية Fintech على حضوره من خلال جولات شركات مثل Fasset وNaran وTax Star.
وتوضح بيانات «ريادي» أن التكنولوجيا المالية لم تعد تعتمد فقط على نماذج المدفوعات أو الخدمات المالية الاستهلاكية، وإنما تتحرك نحو حلول أكثر تخصصًا تشمل البنية التحتية المالية والخدمات المصرفية الرقمية والمنصات المالية الموجهة للشركات.
وفي الوقت نفسه، ظهرت قطاعات أقل تقليدية على خريطة التمويل، من بينها تكنولوجيا الفضاء من خلال SARSatX، والتعليم من خلال AILA، إلى جانب نماذج مرتبطة بما يعرف بـاقتصاد الشغف (Passion Economy)، ومن بينها GMNSM التي جمعت مليوني دولار.
«Moove» تكشف هشاشة قراءة الأرقام الشهرية دون تفكيكها
إذا كانت هناك نتيجة رئيسية تفرض نفسها على بيانات أغسطس، فهي أن حجم التمويل الإجمالي قد يكون مضللًا إذا لم تتم قراءة مكوناته.
فجولة Moove البالغة 250 مليون دولار تمثل قرابة 69% من إجمالي القيمة التي رصدها مسح «ريادي». وبالتالي، فإن الإعلان عن رقم 363.45 مليون دولار وحده قد يعطي انطباعًا بوجود موجة تمويل واسعة، بينما تكشف البيانات التفصيلية أن الجزء الأكبر من رأس المال تركز في صفقة واحدة.
وهذه ليست بالضرورة إشارة سلبية؛ فوجود جولات بهذا الحجم يؤكد قدرة الشركات العربية على الوصول إلى رأس المال الدولي في مراحل النمو المتقدمة.
لكنها في الوقت نفسه تكشف عن تحدٍ هيكلي أمام المنظومة: هل يستطيع السوق إنتاج عدد أكبر من الشركات القادرة على الوصول إلى جولات بعشرات ومئات الملايين، أم أن التمويل الكبير سيظل محصورًا في مجموعة محدودة من الشركات؟
وهنا تظهر أهمية متابعة تطور الشركات التي حصلت على تمويلات Seed وSeries A خلال السنوات الماضية، لمعرفة مدى قدرتها على الانتقال إلى مراحل النمو الأكبر.
الجولات غير المعلنة.. الجزء الغائب من الصورة
لا تقتصر قراءة أغسطس على الجولات التي تم الكشف عن قيمتها.
فقد رصدت «ريادي» عددًا من الصفقات التي لم تعلن الشركات عن قيمتها المالية، من بينها SARSatX وMozn وXsquare، إلى جانب شركات عُمانية وAmplifai Health وSOOR.
ويجعل ذلك الرقم الإجمالي البالغ 363.45 مليون دولار رقمًا للاستثمارات المعلنة التي تمكن المسح من رصد قيمتها، وليس تقديرًا للقيمة الكاملة لجميع الاستثمارات التي تمت فعليًا خلال الشهر.
وتزداد أهمية هذه الملاحظة عند تحليل قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والفضاء؛ حيث قد تتجه بعض الشركات إلى عدم الإفصاح عن التقييمات وقيم الجولات لأسباب تتعلق بالاستراتيجية أو المنافسة أو طبيعة المستثمرين.
وبحسب مسح «ريادي»، فإن متابعة هذه الشركات خلال الربع الأخير من 2026 ستكون مهمة؛ لأن بعض الجولات غير المعلنة قد تتحول لاحقًا إلى إعلانات أكثر تفصيلًا، بما يوفر صورة أدق عن حجم السيولة التي دخلت السوق بالفعل.
أين مصر من خريطة تمويل أغسطس؟
من أبرز النتائج التي تستحق التوقف عندها في هذا المسح غياب مصر عن قائمة جولات التمويل التي رصدتها «ريادي» خلال أغسطس بقيم معلنة.
ولا يعني ذلك بالضرورة غياب الشركات المصرية عن النشاط الاستثماري بالكامل، وإنما يعني أن المسح لم يرصد خلال الفترة محل الدراسة جولات مصرية معلنة تدخل ضمن قاعدة البيانات المستخدمة في تحليل أغسطس.
وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها بالنظر إلى الوزن التاريخي لمصر في منظومة الشركات الناشئة العربية، سواء من حيث حجم السوق، أو عدد الشركات، أو قاعدة المواهب، أو نشاط شركات التكنولوجيا المالية والتجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية.
وبالتالي، فإن غياب مصر في شهر واحد لا يكفي للحكم على المنظومة المصرية، لكنه يفتح سؤالًا أكثر أهمية: هل تواجه الشركات المصرية صعوبة أكبر في الانتقال من مراحل التمويل المبكر إلى جولات النمو، أم أن المسألة ترتبط بتوقيت الإعلانات والإفصاح عن الصفقات؟
وتظل الإجابة على هذا السؤال بحاجة إلى مقارنة بيانات أغسطس ببيانات الأشهر السابقة، بما يسمح بالتمييز بين حالة مؤقتة واتجاه استثماري ممتد.
ماذا تقول أرقام أغسطس عن السوق العربي؟
تكشف قراءة مسح «ريادي» عن ثلاث طبقات مختلفة من سوق رأس المال الجريء العربي.
الطبقة الأولى هي رأس المال الكبير، الذي يذهب إلى شركات أثبتت قدرتها على التوسع، وتظهر الإمارات في مقدمة هذا المشهد.
الطبقة الثانية هي كثافة الصفقات، حيث تظهر السعودية باعتبارها سوقًا نشطة ومتنوعة من حيث الشركات والقطاعات والمراحل التمويلية.
أما الطبقة الثالثة فهي اتساع قاعدة الأسواق النشطة، مع بروز عُمان والأردن والعراق والبحرين في صفقات نوعية، وهو ما يعني أن النشاط الاستثماري لم يعد محصورًا بالكامل في أكبر الأسواق الإقليمية.
والأهم أن أغسطس يعكس استمرار الفجوة بين عدد الصفقات وقيمتها: فالسوق يستطيع إنتاج عدد كبير من الجولات الصغيرة والمتوسطة، لكن القيمة الإجمالية تظل شديدة الحساسية لظهور جولة أو جولتين كبيرتين.
يقدم أغسطس 2026 صورة مركبة لسوق الشركات الناشئة العربية: رأس مال ضخم متركز في عدد محدود من الشركات، مقابل قاعدة واسعة من الصفقات الصغيرة والمتوسطة التي تحافظ على نشاط السوق.
وبلغت الاستثمارات المعلنة التي رصدها مسح «ريادي» 363.45 مليون دولار عبر 27 صفقة، لكن قراءة الرقم تكشف أن جولة Moove وحدها استحوذت على نحو 68.7% من القيمة، وهو ما يجعل تفكيك البيانات أكثر أهمية من الرقم الإجمالي نفسه.
جغرافيًا، تقود الإمارات قيمة الجولات الكبرى، بينما تبرز السعودية في كثافة وتنوع النشاط الاستثماري، في حين تقدم عُمان مؤشرًا على اتساع رقعة التمويل المبكر خارج المراكز التقليدية.
قطاعيًا، يواصل الذكاء الاصطناعي توسيع حضوره، ليس فقط باعتباره قطاعًا استثماريًا، وإنما كطبقة تقنية تدخل في قطاعات متعددة، بالتوازي مع استمرار جاذبية التكنولوجيا المالية والتنقل واللوجستيات وظهور قطاعات مثل الفضاء واقتصاد الشغف.
أما بالنسبة إلى مصر، فإن غياب جولات معلنة في مسح أغسطس لا يمثل حكمًا نهائيًا على السوق المصرية، لكنه إشارة تستحق المتابعة والقياس على أساس زمني أطول.
وفي النهاية، فإن المؤشر الأكثر أهمية للمرحلة المقبلة لن يكون فقط حجم الأموال التي تدخل الشركات الناشئة، وإنما قدرة هذه الشركات على تحويل التمويل إلى نمو، والانتقال من جولات التمويل المبكر إلى مراحل النمو، وبناء شركات قادرة على جذب رأس مال إقليمي ودولي أكبر.
“`











