في المقابل، جاءت السعودية في المركز الثاني بقيمة استثمارات بلغت 9.25 مليون دولار، لكنها سجلت 8 صفقات، لتصبح السوق الأكثر نشاطًا بعد الإمارات من حيث عدد العمليات الاستثمارية، بينما توزعت بقية الاستثمارات بين الأردن والعراق، في حين شهدت البحرين وعُمان صفقات دون قيم مالية معلنة.
وتعكس هذه الأرقام مفارقة رئيسية في السوق العربية خلال أغسطس: المكان الذي يستقطب أكبر قدر من رأس المال ليس بالضرورة المكان الذي يسجل أكبر عدد من الصفقات.
الإمارات.. مركز الثقل الذي يحدد شكل السوق بأكمله
تُظهر بيانات مسح «ريادي» أن الإمارات لم تكتفِ بتصدر الخريطة الاستثمارية، وإنما هيمنت على القيمة الإجمالية للسوق بصورة جعلت أداءها يحدد المؤشر الإقليمي بأكمله تقريبًا.
فمن أصل 363.45 مليون دولار رصدها المسح، ذهبت 349.55 مليون دولار إلى شركات إماراتية عبر 10 صفقات، منها 9 جولات معلنة وجولة واحدة لم يتم الكشف عن قيمتها.
ويعني ذلك أن الإمارات استحوذت على أكثر من 9 دولارات من كل 10 دولارات دخلت الشركات الناشئة العربية التي شملها المسح خلال أغسطس.
ولا تأتي هذه النتيجة من انتشار واسع للصفقات الضخمة، بل من وجود عدد محدود من الجولات ذات الأحجام الاستثنائية، وفي مقدمتها جولة Moove البالغة 250 مليون دولار، إلى جانب Fasset بقيمة 68 مليون دولار وNaran بقيمة 10 ملايين دولار.
وبالتالي، فإن الوزن الإماراتي في إجمالي السوق لا يعكس فقط قوة قاعدة الشركات الناشئة، وإنما يعكس أيضًا قدرة السوق على جذب جولات النمو الكبيرة ورأس المال الدولي.
وهذه نقطة مهمة عند قراءة أرقام أغسطس؛ إذ إن استبعاد جولة Moove وحدها كان سيخفض حصة الإمارات من الإجمالي بصورة كبيرة، ما يؤكد أن جزءًا معتبرًا من الهيمنة الإماراتية خلال الشهر مرتبط بالصفقات العملاقة وليس فقط بعدد الشركات الممولة.
السعودية.. صفقات أكثر ورأس مال أقل
على الجانب الآخر، تقدم السعودية نموذجًا مختلفًا تمامًا.
فقد سجلت الشركات السعودية 8 صفقات خلال أغسطس، مقابل 10 صفقات في الإمارات، لكن إجمالي قيمة الاستثمارات بلغ 9.25 مليون دولار فقط، بما يمثل نحو 2.5% من إجمالي القيمة.
وتكشف المقارنة بين الرقمين عن فجوة واضحة: الإمارات والسعودية متقاربتان نسبيًا في عدد الصفقات، لكنهما مختلفتان بصورة هائلة في حجم رأس المال.
وهذا يعني أن السوق السعودية كانت أكثر اعتمادًا على الجولات الصغيرة والمتوسطة خلال الفترة محل الدراسة، في حين اتسمت الإمارات بوجود عدد أكبر من الجولات ذات الأحجام الضخمة.
ومن منظور تطور منظومة رأس المال الجريء، فإن هذه الصورة ليست بالضرورة سلبية للسعودية؛ بل يمكن قراءتها باعتبارها مؤشرًا على اتساع قاعدة Deal Flow، أي وجود عدد أكبر من الشركات التي تدخل دورة التمويل في مراحل مختلفة.
لكن التحدي الحقيقي سيكون في معرفة ما إذا كانت هذه الشركات ستتمكن لاحقًا من الانتقال إلى جولات أكبر، وتحويل كثافة الصفقات إلى تراكم رأسمالي قادر على إنتاج شركات نمو إقليمية.
الأردن.. حجم محدود لكن حضور أكثر توازنًا
جاء الأردن في المركز الثالث بقيمة استثمارات بلغت 4.5 مليون دولار عبر صفقتين، وكلتاهما معلنتان.
وبلغت حصة الأردن نحو 1.2% من إجمالي الاستثمارات التي رصدها مسح «ريادي».
ورغم الفارق الكبير بين الأردن والإمارات من حيث حجم التمويل، فإن البيانات الأردنية تحمل دلالة مختلفة؛ إذ جاءت الصفقات المعلنة في السوق بقيم واضحة، دون الاعتماد على جولات ضخمة تغير الصورة الإجمالية.
ويشير ذلك إلى استمرار قدرة النظام البيئي الأردني على إنتاج صفقات نوعية، حتى وإن ظل حجم رأس المال الداخل إليه أقل بكثير من المراكز الخليجية الرئيسية.
عُمان.. 5 صفقات دون دولار معلن
ربما تكمن إحدى أكثر الإشارات إثارة للاهتمام في البيانات العُمانية.
فقد رصد مسح «ريادي» 5 صفقات في سلطنة عُمان خلال أغسطس، وهو ثاني أعلى عدد من الصفقات بين الأسواق التي شملها المسح بعد الإمارات والسعودية، إلا أن أيًا من هذه الجولات الخمس لم يتم الإفصاح عن قيمتها.
وبالتالي تظهر عُمان في البيانات بصورة مختلفة تمامًا عن الإمارات: حضور قوي من حيث عدد الصفقات، لكن دون قيمة مالية معلنة يمكن قياسها.
وهذا يجعل من الصعب الحكم على الحجم الحقيقي للنشاط الاستثماري العُماني اعتمادًا على الأرقام المعلنة فقط.
وفي الوقت نفسه، فإن اجتماع خمس صفقات في شهر واحد يمثل إشارة تستحق المتابعة، خصوصًا مع ظهور شركات مثل سوق كارز، باكن، iO Eats، دربك وDecoil ضمن النشاط المرصود.
ومن ثم، فإن الفجوة بين النشاط المقاس بعدد الصفقات والنشاط المقاس بقيمة رأس المال تبدو واضحة للغاية في الحالة العُمانية.
10 جولات غير معلنة تكشف أن الرقم الحقيقي أكبر من المعلن
من أصل 27 صفقة رصدها مسح «ريادي»، جاءت 17 صفقة بقيم معلنة، مقابل 10 جولات لم يتم الكشف عن قيمتها.
وتتركز هذه الظاهرة بصورة خاصة في بعض الأسواق الخليجية؛ إذ سجلت عُمان 5 جولات غير معلنة، والسعودية 3 جولات غير معلنة، إضافة إلى جولة في الإمارات وجولة في البحرين.
وهنا يجب التعامل بحذر مع إجمالي 363.45 مليون دولار؛ فهذا الرقم يمثل القيمة المعلنة التي تمكن المسح من رصدها، وليس بالضرورة القيمة الحقيقية لجميع الأموال التي تم استثمارها خلال الشهر.
وبمعنى آخر، فإن الأسواق التي تسجل عددًا مرتفعًا من الجولات غير المعلنة قد تبدو أضعف ماليًا في الجدول، بينما قد يكون حجم التمويل الفعلي أكبر من الرقم الظاهر.
وهذه النقطة مهمة تحديدًا في مقارنة الإمارات بعُمان؛ فالإمارات لديها 9 جولات معلنة من أصل 10، بينما عُمان لديها 5 صفقات جميعها غير معلنة القيمة.
خريطة أغسطس.. سوق واحد يملك القيمة وأسواق أخرى تملك الكثافة
عند تجميع البيانات، تظهر خريطة الاستثمار العربي خلال أغسطس في شكل واضح:
| الدولة | قيمة الاستثمارات | حصة القيمة | عدد الصفقات | معلنة | غير معلنة |
|---|---|---|---|---|---|
| الإمارات | 349.55 مليون دولار | 96.2% | 10 | 9 | 1 |
| السعودية | 9.25 مليون دولار | 2.5% | 8 | 5 | 3 |
| الأردن | 4.5 مليون دولار | 1.2% | 2 | 2 | 0 |
| البحرين | غير معلنة | — | 1 | 0 | 1 |
| العراق | 150 ألف دولار | أقل من 0.1% | 1 | 1 | 0 |
| عُمان | غير معلنة | — | 5 | 0 | 5 |
| الإجمالي | 363.45 مليون دولار | 100% | 27 | 17 | 10 |
ملاحظة: نسب المشاركة محسوبة على إجمالي الاستثمارات المعلنة البالغة 363.45 مليون دولار، ولا تشمل الجولات التي لم يتم الإفصاح عن قيمتها.
وتوضح الخريطة أن السوق العربية لا تتحرك ككتلة استثمارية واحدة، بل تتكون من مراكز مختلفة الوظائف.
فالإمارات هي مركز القيمة الرأسمالية، والسعودية مركز كثافة الصفقات، بينما تظهر عُمان باعتبارها سوقًا ذات نشاط مبكر يصعب قياس حجمه المالي بسبب عدم الإفصاح.
الفجوة الحقيقية ليست بين الدول.. بل بين مراحل التمويل
تكشف هذه البيانات عن قضية أعمق من مجرد ترتيب الدول.
فالاختلاف بين الإمارات والسعودية، على سبيل المثال، قد يكون انعكاسًا لاختلاف مراحل الشركات التي تحصل على التمويل أكثر من كونه فرقًا في النشاط الريادي نفسه.
عندما تدخل جولة بقيمة 250 مليون دولار في حسابات دولة واحدة، فإنها تستطيع رفع متوسط الاستثمار فيها بصورة هائلة، حتى لو كان عدد الشركات الممولة محدودًا.
وفي المقابل، يمكن لسوق أن يسجل عددًا كبيرًا من صفقات Seed وPre-seed بقيم صغيرة، فيظهر ضعيفًا في مؤشر إجمالي التمويل، رغم امتلاكه قاعدة واسعة من الشركات الناشئة.
لذلك، فإن تقييم قوة النظام البيئي العربي يحتاج إلى النظر في ثلاثة مؤشرات بالتوازي: قيمة التمويل، وعدد الصفقات، والمرحلة الاستثمارية.
والاعتماد على أي مؤشر منفرد قد يؤدي إلى استنتاج غير دقيق حول السوق الأكثر نشاطًا أو الأكثر نضجًا.
ماذا تقول الخريطة عن رأس المال الجريء العربي؟
تقدم بيانات أغسطس ثلاث إشارات رئيسية.
أولًا: رأس المال الكبير يظل شديد التركّز.
استحوذت الإمارات على نحو 96% من القيمة المعلنة، ما يعني أن الجولات الكبرى ما زالت تلعب دورًا حاسمًا في تحديد الخريطة المالية الإقليمية.
ثانيًا: كثافة الصفقات تنتشر بصورة أكبر من رأس المال.
فالسعودية وعُمان سجلتا معًا 13 صفقة، رغم أن القيم المعلنة في السعودية محدودة، بينما لم يتم الكشف عن قيمة أي صفقة عُمانية ضمن المسح.
ثالثًا: فجوة الإفصاح أصبحت عاملًا مؤثرًا في قراءة السوق.
وجود 10 جولات غير معلنة، أي أكثر من ثلث إجمالي الصفقات، يعني أن البيانات المتاحة عن حجم السوق لا تزال أقل من الصورة الكاملة للنشاط الاستثماري.
الإمارات تملك «الدولارات».. والسعودية وعُمان تملكان جزءًا من «الزخم»
تكشف نتائج مسح «ريادي» لشهر أغسطس 2026 عن تركيز غير مسبوق لرأس المال الاستثماري العربي داخل السوق الإماراتية؛ إذ استحوذت الإمارات على 349.55 مليون دولار من أصل 363.45 مليون دولار من الاستثمارات المعلنة التي رصدها المسح.
لكن قراءة عدد الصفقات تقدم صورة مختلفة.
فالسعودية سجلت 8 صفقات مقابل 10 في الإمارات، بينما سجلت عُمان 5 صفقات رغم عدم الإفصاح عن قيم أي منها. وهو ما يعني أن انتشار النشاط الاستثماري أوسع بكثير من انتشار رأس المال.
وبالتالي، فإن السؤال الأهم بالنسبة للربع الأخير من 2026 لن يكون فقط: أي دولة جمعت أكبر تمويل؟ وإنما: أي الأسواق تستطيع تحويل كثافة الصفقات الحالية إلى شركات نمو قادرة على جذب جولات أكبر مستقبلًا؟
فإذا كانت الإمارات قد أثبتت قدرتها على استقطاب رأس المال الضخم، فإن التحدي أمام السعودية وعُمان وبقية الأسواق الصاعدة يتمثل في تحويل قاعدة الصفقات المتنامية إلى مسار مستدام من Seed إلى Series A ثم Series B وما بعدها.
وفي المقابل، ستظل متابعة الجولات غير المعلنة ضرورية لتحديد ما إذا كانت فجوة التمويل بين الأسواق حقيقية بالفعل، أم أنها تعكس جزئيًا فجوة في الإفصاح عن قيمة الصفقات.
وهنا تكمن أهمية استمرار «ريادي» في إجراء هذا المسح بصورة دورية؛ لأن قراءة الاتجاهات عبر عدة أشهر تكشف قوة الأنظمة البيئية بصورة أدق من ترتيب شهر واحد، خصوصًا في سوق يمكن لجولة استثنائية واحدة أن تعيد تشكيل أرقامه بالكامل.
“`









