خلال سنوات قليلة فقط، نجحت أبوظبي في إعادة رسم موقعها على خريطة ريادة الأعمال الإقليمية، لتتحول من لاعب ناشئ في منظومة الشركات الناشئة إلى منافس مباشر للمراكز التقليدية في المنطقة، وعلى رأسها دبي والرياض.
ويقف وراء هذا التحول السريع برنامج Hub71 الذي أُطلق عام 2019 بهدف دعم الشركات التقنية الناشئة، قبل أن يتطور تدريجيًا إلى منظومة متكاملة تجمع بين الشركات الناشئة والمستثمرين والشركات الكبرى والجهات الحكومية تحت مظلة واحدة.
منصة تتجاوز مرحلة الحاضنات التقليدية
تشير أحدث بيانات تقرير التأثير لعام 2025 إلى أن الشركات التابعة لـ Hub71 نجحت في جذب تمويلات تجاوزت 2.7 مليار دولار، فيما بلغت إيراداتها التراكمية نحو 1.5 مليار دولار، وهو ما يعكس انتقال المنظومة من مرحلة الدعم والتأسيس إلى مرحلة خلق قيمة اقتصادية حقيقية.
وخلال عام 2025 وحده، تمكنت الشركات المنضمة إلى المنصة من جمع نحو 599 مليون دولار من التمويلات، إلى جانب تحقيق إيرادات قاربت 176 مليون دولار، ما يؤكد أن أبوظبي لم تعد تركز على استقطاب الشركات الناشئة فقط، بل أصبحت تعمل على بناء شركات قادرة على النمو وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.
جذب الشركات العالمية بدلاً من المحلية فقط
أحد أبرز عناصر قوة النموذج الذي تتبناه أبوظبي يتمثل في قدرته على جذب شركات دولية متقدمة. ففي الدفعة الثامنة عشرة من البرنامج خلال عام 2026، تم اختيار 27 شركة ناشئة جميعها من خارج الإمارات، بعد تلقي أكثر من 2450 طلبًا من 112 دولة حول العالم، بنسبة قبول لم تتجاوز 1.1%.
كما أظهرت دفعات سابقة أن غالبية الشركات المشاركة جاءت من أسواق عالمية متقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وسنغافورة والسويد ومصر، ما يعزز مكانة أبوظبي كقاعدة للتوسع الإقليمي والدولي بدلاً من الاكتفاء بخدمة السوق المحلية.
التمويل ليس العامل الوحيد
لا تعتمد أبوظبي على التمويل وحده كوسيلة لجذب الشركات الناشئة، بل تقدم حزمة متكاملة تشمل تسهيلات تأسيس الأعمال، والحصول على التأشيرات، والوصول إلى المستثمرين وصناديق رأس المال الجريء، إلى جانب برامج دعم مالية وخدمية قد تصل قيمتها إلى 750 ألف درهم.
كما توفر المنظومة فرصًا للشركات الناشئة لتنفيذ مشاريع تجريبية بالتعاون مع جهات حكومية ومؤسسات كبرى، فضلًا عن خدمات السكن والمكاتب والتأمين الصحي، وهو ما يمنح الشركات مساحة أكبر للتركيز على النمو والتوسع.
الرهان على قطاعات المستقبل
تركز أبوظبي بشكل واضح على القطاعات التقنية الأعلى نموًا عالميًا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الصحية والتكنولوجيا المناخية والأصول الرقمية.
ويتيح هذا التخصص استقطاب شركات ذات إمكانات نمو مرتفعة، كما يساعد في جذب مستثمرين متخصصين يبحثون عن فرص نوعية في هذه المجالات، بما يتماشى مع الرؤية الاقتصادية طويلة الأجل للإمارة.
شبكة المستثمرين.. نقطة القوة الأهم
في ظل التباطؤ النسبي الذي شهدته أسواق رأس المال الجريء عالميًا خلال السنوات الأخيرة، أصبحت القدرة على الوصول إلى المستثمرين عنصرًا حاسمًا لنجاح الشركات الناشئة.
وتستفيد أبوظبي من وجود شبكة واسعة تضم صناديق رأس المال الجريء والمكاتب العائلية والصناديق السيادية، ما يساهم في تسريع عمليات التمويل وبناء الشراكات الاستراتيجية للشركات المنضمة إلى المنظومة.
هل تفوقت أبوظبي على دبي والرياض؟
رغم النمو السريع الذي حققته أبوظبي، فإن المنافسة لا تزال قائمة بين ثلاثة نماذج مختلفة. فدبي تحتفظ بمكانتها كمركز الأعمال الأكبر في المنطقة وصاحبة النصيب الأكبر من التمويلات داخل الإمارات، بينما تستفيد الرياض من قوة السوق السعودية والدعم الحكومي المرتبط برؤية 2030.
أما أبوظبي، فتراهن على بناء مركز متخصص للشركات التقنية عالية النمو، مع التركيز على الجودة واستقطاب الشركات العالمية والقطاعات المستقبلية، وهو ما منحها موقعًا مختلفًا داخل منظومة ريادة الأعمال الإقليمية.
فرص جديدة أمام الشركات المصرية
يفتح صعود أبوظبي فرصًا جديدة أمام الشركات المصرية العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الصحية والمناخية. فبدلاً من التوجه المباشر إلى الأسواق الغربية، بات بإمكان هذه الشركات الوصول إلى مستثمرين إقليميين ودوليين عبر بيئة أعمال متخصصة توفر التمويل والشراكات وفرص التوسع الإقليمي من داخل المنطقة.
ومع استمرار تدفق الاستثمارات وتوسع شبكة المستثمرين والشركات العالمية داخل Hub71، تبدو أبوظبي في طريقها لترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات الإقليمية للشركات التقنية عالية النمو خلال السنوات المقبلة، ما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في رسم مستقبل ريادة الأعمال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.













