في عالم ريادة الأعمال، غالبًا ما تبدأ القصص الكبرى من تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها الآخرون، فكرة عابرة، أو منتج مجهول، أو فرصة يراها شخص بينما يمر الجميع بجوارها دون أن يلاحظوها.
هكذا تقريبًا بدأت رحلة هاني برزي، رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة إيديتا للصناعات الغذائية، الذي لم يرَ في كيس كرواسون معروض بأحد الأسواق اليونانية مجرد منتج غذائي جديد، بل رأى مشروعًا قادرًا على تغيير عادات الاستهلاك في مصر وصناعة واحدة من أكبر شركات الأغذية الخفيفة في الشرق الأوسط.
بعد نحو ثلاثة عقود من تلك اللحظة، أصبحت إيديتا تنتج أكثر من 4 مليارات عبوة سنويًا، وتصدر منتجاتها إلى أكثر من 20 دولة، بينما تحولت علامات تجارية مثل «مولتو» و«هوهوز» و«تايجر» و«بيك رول» إلى أسماء مألوفة في البيوت المصرية والعربية.
لكن الطريق إلى هذه الإمبراطورية لم يبدأ من مصنع ضخم أو استثمارات بمليارات الجنيهات، بل بدأ من شغف مبكر بالصناعات الغذائية ورغبة دائمة في فهم المستهلك.
ابن الصناعة الذي تربى بين خطوط الإنتاج
لم يدخل هاني برزي عالم الأغذية مصادفة. فمنذ تخرجه في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، ارتبط مساره المهني بالصناعات الغذائية التي كان والده أحد روادها في مصر.
عمل داخل شركات العائلة التي كانت من أوائل الشركات المنتجة للوجبات الخفيفة المقرمشة في السوق المصرية، ومن بينها منتجات «الكاراتيه» التي ارتبطت بذكريات أجيال كاملة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.
كما شارك في تأسيس نشاط لإنتاج الويفر تحت علامة «سامبا».
ورغم خلفيته الهندسية، لم يكن برزي يرى نفسه مهندسًا بالمعنى التقليدي، بل كان شغفه الحقيقي منصبًا على التسويق والمبيعات وفهم سلوك المستهلك.
لذلك اعتاد منذ سنواته الأولى النزول إلى الأسواق ومرافقة فرق البيع لمراقبة حركة المنتجات والتعرف على احتياجات العملاء عن قرب.
لحظة غيرت كل شيء
في أوائل التسعينيات، وجد هاني برزي نفسه أمام مرحلة جديدة بعد خروجه من إدارة إحدى الشركات التي كان يعمل بها.
وبينما كان يبحث عن مشروع جديد، لفت انتباهه منتج مختلف خلال زيارة إلى اليونان.
كان عبارة عن كرواسون مغلف داخل عبوة صغيرة.
قد يبدو الأمر عاديًا اليوم، لكن في ذلك الوقت لم يكن المستهلك المصري معتادًا على هذا النوع من المنتجات.
كانت سوق الأغذية الخفيفة تعتمد بصورة أكبر على الشيبسي والوجبات الخفيفة المقرمشة والويفر.
لكن برزي رأى شيئًا مختلفًا. رأى أن الكرواسون المغلف يمكن أن يمثل جيلاً جديدًا من منتجات السناكينج في مصر، خاصة أن المستهلك المصري يحب المنتجات القائمة على المخبوزات ويبحث عن وجبة خفيفة ومشبعة في الوقت نفسه.
ويقول إن جزءًا من النجاح يعتمد دائمًا على الحظ، لكن الجزء الأهم هو القدرة على التقاط الفرصة والعمل عليها، فالكثيرون قد يشاهدون الفكرة نفسها، لكن القليل فقط يقرر تحويلها إلى مشروع حقيقي.
حين وُلدت «مولتو»
بعد دراسة الفكرة والحصول على التكنولوجيا اللازمة من شركة يونانية، بدأت رحلة تأسيس إيديتا عام 1996.
لم يكن اسم «مولتو» معروفًا في مصر آنذاك، كما أن المنتج نفسه كان جديدًا على المستهلكين.
لذلك واجهت الشركة تحديًا مزدوجًا يتمثل في تقديم منتج جديد وخلق سوق له في الوقت نفسه.
اختارت الشركة أن تسوق المنتج باعتباره وجبة خفيفة لذيذة ومشبعة، وليس مجرد كرواسون، لتبدأ رحلة بناء واحدة من أقوى العلامات التجارية في قطاع الأغذية الخفيفة.
لكن النجاح لم يكن فوريًا أو سهلًا كما قد يعتقد البعض اليوم.
فقد احتاج بناء العلامة التجارية إلى سنوات طويلة من الاستثمار في الجودة والتوزيع والتسويق، إضافة إلى الإيمان الكامل بالفكرة في وقت شكك فيه كثيرون بقدرتها على النجاح.
لا تستمع إلى الجميع
من أكثر النصائح التي يكررها هاني برزي لرواد الأعمال الشباب أن يحذروا من الإفراط في الاستماع إلى الآخرين.
فبحسب تجربته، عندما تعرض فكرة جديدة على الناس ستجد دائمًا من يشجعك، ومن يشكك فيك، ومن يؤكد لك أن المشروع محكوم عليه بالفشل.
لذلك يرى أن الاستماع للآراء مهم، لكن القرار النهائي يجب أن يبقى لصاحب الفكرة نفسه، لأن رائد الأعمال لا يمكنه النجاح إذا لم يكن مقتنعًا تمامًا بمشروعه.
الجودة قبل النمو
مع توسع إيديتا، لم يكن التحدي الأكبر هو زيادة الإنتاج، بل الحفاظ على الجودة.
فالشركة التي بدأت بخطوط إنتاج محدودة أصبحت تنتج اليوم أكثر من 4 مليارات عبوة سنويًا وتصل منتجاتها إلى ملايين المستهلكين داخل مصر وخارجها.
ويرى برزي أن الاستدامة هي الاختبار الحقيقي لأي شركة. فالنجاح ليس في إطلاق منتج ناجح مرة واحدة، بل في الحفاظ على ثقة المستهلك لعشرات السنين.
ولهذا استثمرت إيديتا بشكل كبير في أنظمة الرقابة والجودة لضمان خروج كل منتج بالمواصفات نفسها التي يتوقعها المستهلك.
البحث والتطوير.. مصنع الأفكار داخل إيديتا
عندما ارتفعت أسعار الكاكاو عالميًا عدة مرات خلال السنوات الأخيرة، واجهت شركات الأغذية حول العالم ضغوطًا كبيرة.
لكن برزي كان قد استعد مبكرًا لهذا النوع من التحديات عبر إنشاء مركز متكامل للبحث والتطوير يضم خبراء ومتخصصين في علوم الأغذية، يعملون على تطوير المنتجات وتحسين الكفاءة التشغيلية وإيجاد حلول للتحديات التي تواجه الصناعة.
ويؤمن برزي بأن الشركات الكبرى لا ينبغي أن تعتمد دائمًا على استيراد المعرفة من الخارج، بل يجب أن تمتلك القدرة على الابتكار وتطوير منتجاتها بنفسها.
من شركة عائلية إلى مؤسسة
ربما كانت واحدة من أهم المحطات في مسيرة هاني برزي هي قراره بتحويل إيديتا من شركة عائلية إلى مؤسسة احترافية.
ففي عام 2005 تقريبًا، بدأ استقطاب كوادر إدارية متخصصة وإعادة هيكلة الشركة بالكامل، رغم أن هذا القرار كان صعبًا في ذلك الوقت.
ويرى برزي أن العقبة الكبرى أمام كثير من الشركات العائلية ليست نقص الموارد، بل عدم استعداد المؤسس للتخلي عن السيطرة المطلقة والسماح للخبرات بالمشاركة في صنع القرار.
أما هو، فكان مقتنعًا بأن النمو الحقيقي يتطلب بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار حتى بعد غياب المؤسس نفسه.
البورصة ليست تمويلاً فقط
عندما دخلت إيديتا البورصة المصرية، لم يكن الهدف جمع الأموال فقط.
بحسب برزي، كان الطرح جزءًا من رؤية أوسع تهدف إلى ضمان استمرارية الشركة على المدى الطويل وتحويلها إلى كيان مؤسسي مستقل عن الأشخاص.
كما استفادت الشركة من خبرات صناديق الاستثمار المباشر التي ساعدتها في تطوير الحوكمة والاستعداد للطرح العام.
حلم المليار دولار
بعد مرور 30 عامًا على تأسيس الشركة، لا يزال هاني برزي يتحدث عن المستقبل أكثر مما يتحدث عن الماضي.
فالشركة وضعت هدفًا واضحًا يتمثل في الوصول إلى مليار دولار من حجم الأعمال بحلول عام 2030، مع مواصلة التوسع الإقليمي في أسواق مثل المغرب والعراق وأسواق أخرى بالمنطقة.
لكن الحلم الأكبر بالنسبة له لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بإعداد الشركة لمرحلة ما بعد هاني برزي، من خلال بناء منظومة إدارية قادرة على قيادة إيديتا لعقود جديدة دون الاعتماد على شخص واحد.
من فكرة صغيرة إلى علامة عربية
حين رأى هاني برزي ذلك الكيس الصغير من الكرواسون في اليونان قبل نحو ثلاثة عقود، لم يكن يتخيل أن تلك اللحظة ستقوده إلى تأسيس واحدة من أبرز شركات الأغذية في المنطقة.
لكن القصة لم تكن قصة كرواسون فقط، بل قصة رجل امتلك الجرأة على الرهان على فكرة جديدة، والإصرار على تطويرها، والصبر الكافي لتحويلها إلى مؤسسة إقليمية.
وفي عالم ريادة الأعمال، قد تكون هذه هي القاعدة الأهم: ليست كل فرصة تصنع شركة، لكن بعض الرواد يعرفون كيف يحولون فرصة عابرة إلى قصة نجاح تمتد لعقود.










